أنت هنا

قراءة كتاب مسألة الوحدة والتقريب - بين المذهبية السمحة والاستقطاب الطائفي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مسألة الوحدة والتقريب - بين المذهبية السمحة والاستقطاب الطائفي

مسألة الوحدة والتقريب - بين المذهبية السمحة والاستقطاب الطائفي

كتاب "مسألة الوحدة والتقريب - بين المذهبية السمحة والاستقطاب الطائفي"، إن دورة الحضارة والتاريخ قد أظلت عالمنا اليوم، ونحن في قعر حالة التخلف العلمي والحضاري، وهو أمر مقبول ومألوف في تاريخ الأمم والشعوب، فقد عاشت أوربا في العصور الوسطى وما قبلها، حالات أشدّ

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار المأمون
الصفحة رقم: 1

المقدمة

الوحدة الإسلامية حلم جميل راود الكثير منا في العصر الحديث، لاسيما بعد سقوط دولة الخلافة في مطلع القرن الماضي. ورغم ذلك فان المشروع الوحدوي الإسلامي بقي متعثراً بين أصحاب الدعوة الحقيقية وبين المدعين والمسيسين للفكرة. ولقد نادى بها العروبيون والإسلاميون منذ مطلع القرن الماضي، ولكنهم أخفقوا في تحقيق الحد الأدنى من أهدافها، التي يمكن أن تؤدي إلى قيام الوحدة وتحقيق الحلم العربي الكبير. لقد كانت نتائج تلك الجهود المبذولة غير متوقعة وبالضد مما تمنى أصحابها، فقد كرّس الفكر القومي والديني لواقع التجزئة والتقسيم، الذي جاءت به اتفاقية سايكس- بيكو الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى، وحوّلت قرارات تلك الاتفاقية الواقع العربي إلى واقع تجزئةٍ مرٍ لا مناص من التهرب منه، وغدا العالم العربي مقسماً إلى أكثر من عشرين دولة عربية، تقع اليوم ضمن إطار جامعة الدول العربية، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. وهو عدد غير قليل وقابل للزيادة إلى الضعف، في ظل واقع التجزئة والتخلف الذي يعيشه العالم العربي، وخلال المرحلة الجديدة التي قد تشهد تطبيق سايكس- بيكو جديدة، وفق إستراتيجية (تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم).. ذلك الشعار المتداول اليوم والذي يرد في أدبيات النظام الدولي الجديد وكتابات منظريه الغربيين. وهو النظام الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي. وكان هذا النظام من المقدمات السياسية والاقتصادية لعصر العولمة الحالي الذي نعيش ظلاله وأزماته اليوم، بسبب التشابك والتداخل الكبير بين عوالم الدول والأمم والشعوب، مع إهمال متعمد من قبل دعاة العولمة للخصوصيات الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية للأمم الأخرى. وقد بات العالم المعاصر يعيش ثورة كبرى في التقنية والاتصالات والإعلام، وكأنه يعيش في قرية صغيرة مترابطة ومتداخلة البرامج والهموم والمشاكل.
لقد بلغ عدد الدول العربية والإسلامية الآن حوالي ستين دولة، وزاد عدد سكانها على المليار ونصف المليار نسمة، تعاني معظمها من حالات الفقر والتخلف والتجزئة والصراع والفتن والأزمات الخانقة. إن واقع التجزئة والتخلف والصراع الطائفي والعرقي الذي نعيش إفرازاته منذ عقود طويلة، هو أهم ما يميز عالمنا العربي والإسلامي، في ظل عصر التكتلات والاتحادات الكبرى الحالية، التي تحكم دول العالم المتحضر اليوم. لقد ظهر الاتحاد الأوربي كاتحاد سياسي دولي في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تطور بخطوات سريعة، حتى بات يضم أكثر من (25) دولة أوربية. وهو اليوم يعد ثاني أكبر قوة عظمى في العالم بعد الولايات المتحدة، لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في عام 1990م. رغم إن هذا الاتحاد الأوربي يعاني الآن من تأزّم اقتصادي وسياسي، بسبب التأزّم العولمي الاقتصادي والسياسي الحالي، وكذلك بسبب التمايز الاقتصادي بين دول الاتحاد الكبيرة والصغيرة، مما جعل اليورو يواجه حالة من الركود والانكماش والاضطراب، بعد العصر الذهبي الذي تنعمت به دول الاتحاد، منذ تأسيسه وحتى مطلع القرن الحالي.
وظهرت في الشرق اتحادات وقوى اقتصادية عديدة، منها اتحاد النمور الأسيوية، والاتحاد الأفريقي لدول القارة الأفريقية في مطلع القرن الحالي. وهناك توقعات بظهور اتحادات دولية كبرى أخرى، تضم الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا وغيرها من الاتحادات والتكتلات، التي مازالت في طور التشكيل في آسيا وأمريكا الجنوبية.
إن تلك التطورات السياسية والاقتصادية التي يشهدها عصر العولمة الحالي، تحدث على مرأى ومسمع من القادة والحكماء العرب والمسلمين، وان أغلبهم في حالة سبات وغياب ثقافي وحضاري، وبالنسبة للقلة الباقية التي تعي ما يجري من تطورات وتحديات أمام الأمة، فهي تعيش حالة من التيه والسلبية والاستسلام أو يغشاها شيء من الغرور الساذج والقناعة الفارغة بما لديها من مظاهر واهية للتقدم والاستقلال. وذلك في ظل حالة التخلف والتمزق والعجز والوهن الذي يغشي عالمنا الإسلامي، ودوامة الفتن والخلافات والصراعات المستمرة، التي لم يكن لها مثيل في التاريخ.
إن دورة الحضارة والتاريخ قد أظلت عالمنا اليوم، ونحن في قعر حالة التخلف العلمي والحضاري، وهو أمر مقبول ومألوف في تاريخ الأمم والشعوب، فقد عاشت أوربا في العصور الوسطى وما قبلها، حالات أشدّ تخلفاً وتمزقاً وصراعاً، وبدرجة أكبر مما يواجه أمتنا اليوم. ولكن الغرب استطاع التغلب على تلك العوامل التي أدت إلى تخلفه لقرون طويلة، واستطاع أن يعالج نقاط ضعفه وتخلفه، وأن يرتقي في سلم المجد والتقدم العلمي، ويتسلم زمام القيادة والصدارة بين دول العالم. واستطاع أن يمتطي ناصية الرقي والتقدم في كافة نواحي الحياة، منذ عصر النهضة والحداثة وحتى عصر العولمة الحالي. فهل نستطيع نحن تجاوز حالة الإخفاق والتردي، التي تحيط بعالمنا الإسلامي وكشف الستار عن أسبابها، لكي نرتقي بأمتنا ونمضي بها قدماً للوصول إلى طريق الوحدة والتقدم والاستقرار؟.
إن التقدم والتراجع الحضاري بين الأمم سنة من سنن الله في الأرض، وان خلافة الأرض لا تُعطى إلا للأمة التي تستحقها، وتمتلك أسبابها المادية والمعنوية. قال تعالى: (وان تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) . لذلك لا بد لنا من الوقوف على أسباب الوهن والضعف في نسيج الأمة الحضاري بشتى صوره، لكي تستعيد الأمة مجدها وتصل إلى مصافي الأمم المتحضرة، وتصل إلى الهدف الرسالي باستعادة المجد والتألق لحضارة القرآن المنيرة، التي شعّت على العالم لمدة ألف سنة أو تزيد، منذ عصر النبوة الزاهر وحتى سقوط دولة الخلافة قبل قرن من الزمان. ومن هنا تأتي أهمية المنظور الوحدوي في الإعلام الإسلامي ودوره الحاسم في معالجة التداعيات الخطيرة التي بدأت تنخر بجسد الأمة، بسبب حالة الاستقطاب الطائفي والعرقي والجهوي والقطري. لقد تجاوزت ثقافة الاستقطاب والتعصب والتفرق المكونات الكبرى والأصيلة في قوام الأمة، إلى المكونات الفرعية والأقليات الدينية والمذهبية والعرقية، وبقية المكونات التي يتكون منها المجتمع في الدول الحديثة، حتى بدت اليوم هي المتحكمة في سلوك الكثير من المسلمين.
إن التحديات التي تواجه المشروع الوحدوي عديدة، سواء أكانت على مستوى الوطن والدولة أم الشعب والأمة، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. وتستمد عوامل التحدي الداخلي وجودها، من الثقافة الإسلامية الحالية ومن أثرها التراكمي السلبي على الناس، وهو ما يدعو إلى العمل المنهجي ثقافياً وإعلامياً ودعوياً، لتشكيل رأي عام عربي وإسلامي، بحيث يكون وحدوياً حضارياً فاعلاً في تجميع الطاقات والقدرات والمواهب المتنوعة التي تزخر بها الأمة، لاستعادة مجدها وعزتها وقوتها الكامنة في رسالتها الإلهية العظيمة، وفي موقعها الجغرافي وتاريخها وتراثها العريق وثرواتها البشرية والطبيعية. أما العامل الخارجي لتلك التحديات التي تواجه الأمة وتحجّم حركتها وقدرتها على النهوض والتقدم، فانه يتجسّد في موجات الغزو الثقافي والفكري والإعلامي الخارجي، الذي يحاول اختراقنا والعبث بعقول شبابنا، وزعزعة الهوية والانتماء لحضارة الشرق الأصيلة، بما يخدم مصلحة الآخر، ممثلاً بحضارة الغرب المادية بشتى ألوانها وتياراتها المخالفة لحضارة القرآن. ولعل في مقدمة ذلك العولمة ورؤيتها المادية الشعوبية المتعالية التي تحاول سلب هويتنا واستبدالها بمعاول الهدم الثلاثة، ممثلة بـ (كره العرب وتراثهم، ونشر الإلحاد والزندقة في المجتمع الإسلامي، ونشر المجون والإباحية والانحلال الأخلاقي بين شباب الأمة). فضلاً عن وسائل الغزو الثقافي والسياسي والاقتصادي الأخرى، التي تهدد وجود أمتنا ودورها الحضاري، كأمة موحَّّدة لها رسالة سامية كُلّفت بها، لهداية البشرية إلى المنهج الرباني الرشيد، ولإحلال الحق والعدل والسلام في الأرض.. وفي ذلك يبشرنا النبي بالأمل المشرق والسر الذي أودعه الله سبحانه في هذه الأمة لكي لا تيأس ولا تترك المحاولة المستمرة لامتلاك إرادة التغيير ومعالجة الواقع الفاسد والظلمات التي تحيط بها. يبشرنا بالمجدد الذي يصلح الحال ويهدي الأمة إلى سواء السبيل، والذي لابد أن يبعثه الله سبحانه في كل قرن وعصر من عصور الأمة ليجدد لها أمر دينها وأخلاقها.. وذلك لا يتم قطعاً إلا بامتلاك إرادة التغيير نحو الخير والنور والوحدة. قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . يقول النبي فيالتبشير بالمجدد: إن الله يبعث لهذا الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها. وظاهرة المجدّدين في التاريخ الإسلامي ظاهرة منيرة ومتكررة، منهم أئمة الدين والمذاهب والحديث والتفسير والدعاة الربانيون والقادة الفاتحون، أمثال عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومحمد النفس الزكية وموسى الكاظم وعبد القادر الجيلاني وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وغيرهم، من الذين أثّروا في الحياة الإسلامية وجدّدوا روح الدعوة والفكر والثقافة والجهاد. ولعل أحاديث المهدي يمكن أن تخرّج بهذا المعنى الإصلاحي التجديدي، وقد ظهر في تاريخ الأمة مهديون كثيرون على مدار القرون الماضية.
علاء الدين شمس الدين المدرس
27 رمضان 1432هـ

الصفحات