أنت هنا

قراءة كتاب حبيبتي كريت

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حبيبتي كريت

حبيبتي كريت

رواية " حبيبتي كريت " للكاتب التركي سابا آلتن صاي، والتي ترجمها للعربية محمود أمين آغا، نقرأ منها:

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 1

الجزء الأول

تطايرت أوراقٌ كثيرة بعدد أصابع اليد في فِناء جامع «هُنكار» في مَيْدان «سبلانتسيا». اندفعت الأوراق في هبوبها في الأزقّة الضيّقة، على امتداد البيوت الحجريّة خلف الميدان، والمنعطفة تدريجيّاً لتواجه البحر. سَكنت هذه الأوراق برهة قصيرة أمام الأبواب المطلية باللون الأخضر للبيوت المتقابلة على مسافة ذراعين في «آبدالا»، ثمّ تصاعدت لتركب متْنَ العاصفة التي هاجت بغتةً مثل موجة غضب مفاجئة. وانعطفت متطايرة على مسار الطريق القصير الممتدّ بين البيوت وبين السوق الذي يُقْطَع بِشرْبة «سيكارة». وبعد أن وضعت مهبّ الريح وراءها، انسلّت إلى داخل السوق التي لم تُفْتَح مصاريع متاجرها إلا قبل فترة وجيزة. وأخيراً حطّت الأوراق متناثرة أمام عتبة السحّاب الخشبي للصّائغ مصطفى أفندي، بعد أن اجتازت الدكاكين المنتشرة على اليمين والشّمال، حيث تختلط عتمة ليلة من ليالي أيلول ببياض نور الفجر في جزيرة «كريت»، وتحتلّ مكانها بعد قليل الرّياحُ التي ستخلّف رطوبة نديّة، وقد داعبت كتلةَ البيوت في الحيّ الإسلاميّ «هانيا» وشبابيكها المغلقة بإحكام، وأبوابها، وجذوع أشجار الليمون والزيتون في بساتينها، والأزهار الحمراء لنبْتات الغرنوق. لكنّها أذاعت الخوف والقشعريرة حتّى في الحِمَى الدّافئ للذّة الكرى... تثاقلت الرّيح، واستقرّت.
انطلقت الطيور أوّلاً من الحقول في الطّرف الآخر، وطارت إلى داخل المدينة، وزفّت سلامها إلى مقرّ المدفعيّة المحاذية للمدخل الغربيّ. كانت أعينها تغطّي «فرقة» حيث الثّكنة العثمانية التي تنظر إليها من التلّة، فتلمح توجّهَ طابور الجيش «النّظاميّ» إلى الساحة لأداء الاجتماع.
كانت الفرقة المؤلفة من ثماني مجموعات مصطفّة بانتظام بعرض فردين اثنين، وبطول خمسة أفراد، تحيّي الرقباء على رأس كلّ مجموعة ـ بقولهم: «السّلام عليكم» ـ الذين بدورهم ينتظرون بصمت ريثما يتمّ عدّ العناصر، والرقباء يبلّغون كلّ قائدٍ التّفقّد، وهؤلاء يبلّغون بدورهم التفقد ركضاً إلى النقيب.
خلف الباحة مدافع سوداء في حُجُرات متراصّة، تنتصب ثابتة، وهي متوجّهة نحو البحر المتوسّط.
انعطف طير عند رأس «الطّابور» وطار نحو المنارة المنتصبة فوق حاجز الأمواج الذي تطلّ عليه فوّهات المدافع الكبيرة. دارَ الطير حولَ المنارة الّتي يتلاشى ضوءُها في البياض المتلألئ للفجر. ونزلَ بين فلول صيّادي السّمك. انقسمت العصافير الّتي جعلت البحر المتوسط في «هانيا» قِبالة صدورها إلى مجموعات، وهي تعبر الشّريط السّاحليّ الذي انحنى أمامها مثل القوس. بعضها بدأ يتنفّس وهو يبحث عن حبوب البذار بين الحجارة الكبيرة، وبعضها الآخر تنقّلَ مسرعاً إلى الدّاخل، إلى «سبلانتسيا» و«كاستلّي»، ورفرفَ بجناحيه ليلتقط بقايا حبّ النّوى الذّي بقي أمام البيوت منذ الليل، أو ينكبّ على أكوام القُمامة اللذيذة التي لا تعادلها لذّة في نظرها. أمّا الطيور التي استمرّت في الانطلاق عبر الشريط السّاحلي فقد وصلت إلى لُقَيْماتها الأخيرة في تجاويف الجدران الحجرية للمستودعات المصطفّة جنباً إلى جنب، وفي هياكل السفن التي تفوح برائحة القار والخشب بين مزالق السفن اللّمّاعة، في «تارسانا» التي تقع في الطرف الآخر من المدينة. ثمّ صفّت الطيور أجنحتها في الهواء إلى «هاليبا» تاركةً المدينة وراءها.
كان البحر يدخل في أحضان «هانيا». تمتصّ «هانيا» أمواج البحر المتوسط الخشنة واللينة والرخوة حيناً في صدرها، وبعد أن تتجرَّعَ إلى داخلها طَعْمَها المالح والمعتدل، تفتح ذراعيها فجأةً، لتحوِّل رذاذ الأمواج إلى السّهوب. وأخذت النوارس تبحث عن السّرطانات التي يمكن أن تلتقطها بدسّ رؤوسها في التّجاويف الصخرية المبلّلة في الأماكن التي تمتدّ فيها إلى شواطئ «هانيا» التي تستطيل إلى «هالبْيا». وعندما لم تجدْ النوارس مبتغاها صبّت جام غضبها على الصّخور، ثم تحرّكتْ إلى المناطق الداخلية، مطلقةً صرخات الجوع، لتتوجّه إلى حيث فضلات الطعام التي خلّفتها العصافير في السوق وفي «كانيفارو».
كانت «كانيفارو» مستعدّة لتستقبل بعد قليل بائعي «الرّاحة» والأطعمة الخفيفة، والصّاغة، وباعة السّمن والفطائر، وتجّار الجوخ، وصنّاع وباعة الطرابيش (الفاس)، والفرّانة، وبائعي الحلوى والحدّادين، وصانعي أطقم الدوابّ، والبارود، وسماع صرير مصاريع تلك المحلاّت التجارية أثناء رفعها، وعبارات «صباح الخير»، وتبادل الأحاديث العابرة باللهجة الرّومانية للنّاس الذين يحكّ بعضهم كفوف أيديهم المرتجفة قبل القبض على السكاكين براحات أيديهم.
ستشهد المدينة نظرات هؤلاء الأشخاص الحادّة، ليتصالحوا دون رغبة منهم على رشف القهوة. وتحطّ أسراب النّحل في الحقول الفوّاحة، وتطير بين الأرجاء أطرافُها مغموسة بحبّات الطلّع للأزهار، تحيّي أجواء مباني القنصليّات، وتطبع قُبُلاتها على أزاهير الحدائق في القنصليّات الإيطاليّة والفرنسيّة والإنكليزيّة والرّوسيّة، ثمّ تسلك المسار الّذي اتّخذته أسراب الطيور والنوارس، وأخذت تتجوّل في أرجاء المدينة. طارت، وهي تدوي بصوتٍ ثَمِلٍ حتّى النّشوة من عبير الصّباح، بعد أن استنشقت ملء جوفها عبق الياسمين المنتشر في جسد «هانيا» المتعرّق، وروائح النعنع والريحان، وأشجار الزيتون والمصطَلى، وشعاع الشمس المعتدل، واغْتبقت قطراتِ المطر الكبير، وأضواء الشمس الوافرة باستمرار، وأريج أشجار البرتقال والليمون التي تفوح كلّ عام مرّتين على الأقل. «هانيا»! أكثر مدن إقليم «كريت» جاذبيّة! تولي عناية بشؤون التعليم في (رَسْمو)... مدينة تهب فؤادها لجنون (إسفاكية).

الصفحات