أنت هنا

قراءة كتاب معاناة جوليان - ضحية التنصير

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
معاناة جوليان - ضحية التنصير

معاناة جوليان - ضحية التنصير

كتاب " معاناة جوليان - ضحية التنصير " ، تأليف ساعد قويسم ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 1

الحياة الدنيا.. الكثير من سكان المعمورة يحاول أن يجد تعريفاً لهذه الكلمة التي طالما أتعبت ابن آدم، وإن كل من يحاول فهمها وتعريفها هو إنسان تلقى الكثير من العذاب من عندها، وإنها قد أتعبته أو بالأحرى ذبحته.

فأنا شخصياً أراها شبيهة بمعادلات

جوليان... أو... سمير... هذا الإنسان البريء روى لي قصته التي أعتبرها أغرب من الخيال، وما شرفني كثيراً هو أنه سمح لي أن أتكلم عن معاناته وأن أترجم أحاسيسه، شرفني كثيراً عندما طلب مني أن أعبّر عن تجربته المريرة بلساني، وكأني أنا من عاش المعاناة، ولكن الذي لا يعرفه سمير هو أنني بالفعل عشت أوجاعه وتعذبت لعذابه وبكيت لبكائه وحزنت لحزنه....

سمير هذا هو

17 عاماً هذا هو عمري، حياة هادئة جميلة هذا هو عنوان مساري في الحياة الدنيا،... الأب، الأم، الأخت هذه هي عائلتي الفرانكوفونية ذات العقل الغربي؛ فكل تفكيرها وطريقة عيشها بعيدان كثيراً عن الحياة العربية وعاداتها.. فقد كانت حياتنا شبه غربية وبعيدة حتى عن التفكير الإسلامي...،... في مثل هذه الظروف، وفي مثل هذه الأيام وهذا العمر كنت أعتبر حالي ممسكاً بالحياة الدنيا من جهة الزهرة، وكان كل يوم يمر يفوح فيه عطرها وتزيّن ألوانها دربي بكل ما كان يعطيني الحماس لعيش حياة أجمل من الجمال.. فكيف لا تكون حياتي بهية وعائلتي من حولي تصونني وترعاني.. لقد كانت هي منبع الأمل، بل الآمال في دنيا كنت أسمع الكثير عن آهاتها وألوانها القاتمة.. كنت كل يوم أسمع فيه عن مثل هذه الأوصاف ينتابني شعور رهيب.. كنت أخاف كثيراً، وأستغرب أكثر لما كان يحدث للناس.. وكانت أسئلة كثيرة تشغل بالي، ويا ليتني لقيت الجواب الشافي حيث كنت أضيع كلما حاولت البحث عن أجوبة لأسئلتي... لكن أختي... رانيا... التي كنت أعتبرها معلمتي في مدرسة الحياة كانت هي مصدر الأجوبة، لأنها الوحيدة في حياتي بعد والدي... رانيا أجمل ما رأت عين ابن آدم.. كان فارق السن بيننا كبيراً

كان يومها حزيناً جداً بالنسبة لي يوم صارحتني أنها تعرفت على شاب في الفترة الأخيرة، وأنهما يخططان للزواج، وقد لمحت في عينيها البريئتين شرارة الفرحة، أشعة السعادة.. فرحت لفرحتها ولكن سرعان ما تذكرت أن هذا المشروع سوف يبعدها عني.. أتذكر جيداً أني بكيت يومها وما أحزنني هي أنها ظنت أني بكيت من فرحتي لها، ولكن لم أبكِ لذلك بل لخوفي من فقدانها وبعدها.. حضنتها وأنا أقول في وجداني: «كلا يا رانيا لا تتركيني....». لقد شعرت أن كل الأحاسيس تجمعت، إحساس الخوف على الملاك رانيا، إحساس فراقها وفقدانها وإحساس فرحتي لها؛ فيومها لم أفهم ما هو شعوري وما هي حالة قلبي؟؟! والمفاجأة الأكبر من كل هذا، هي أنها صارحتني كي تطلب مني أن أتكلم مع أمي وأقول لها إنّ هناك رجلاً في حياة الملاك «رانيا»، وإنه سوف يتقدم لخطبتها فعلاً... فوجئت من هذا الخبر، ولكن في الأخير فهمت إحساسي وهو أني كنت حزيناً جداً خوفاً من فراقها... صراحة لم أرتح يوماً لهذا الزواج

ظلت على هذه الحالة لمدة أسبوع كامل، وبعدها تحسنت حالتها نوعاً ما، وسمح لنا بالجلوس معها والتحدث إليها ولكن كانت كصخرة في هيئة إنسان.. لم تنطق حتى ولو بحرف واحد، حاولت معها كثيراً، وفرحت

رحلت الملكة رانيا واختارت أن تلبس الثوب الأبيض للذهاب إلى الله لا لتذهب إلى بيت زوجها كما تمنينا نحن؛ كلا بل انتقلت إلى بيت جد متواضع عرضه «شبر واحد» وطوله لا يتعدى المترين ولونه بني لأنه من تراب، واختارت أن يكون الدود هو شريك دربها. كذلك وجدت صديقة جديدة وهي الظلمة، وهناك رفيقة أخرى وهي الوحدة.. وقتها لم أعرف ما هو شعوري، لم ولن أصدق أنها رحلت إلى الأبد. وحتى يومنا هذا أنا لم ولن أؤمن بمغادرتها لحياتنا.. أنت لم ترحلي، أنت تعيشين في وجداني، رانيا عندما وضعت تحت التراب هذا لا يعني أنك انتهيت، أنت لم ولن تنتهي يا عمري، رانيا أنا اليوم أخاطبك فاسمعيني، يا ملكتي، تركت فراغاً أرهب من الرهيب، فراغاً لن يملأه شيء في الحياة، ولكنك سوف تظلين معنا، فأنا أحضّر لك يومياً على طاولة الأكل صحنك وملعقتك وكرسيك. وبالرغم من أنك لا تأتين جسدياً إلا أني أحس بقدوم روحك الطاهرة، أشعر أنها في مكانها، وتأكل من الصحن الذي حضرته وبالملعقة التي أحضرتها، وتجلس فوق الكرسي الذي أختاره لكِ... رانيا أود أن أقول لك شيئاً تعرفينه جيداً: «أنا أحبك وحتى الموت لن يفرّق بيننا».... وهنا بالذات بدأت معاناتي الحقيقية، فبعد الإعلان عن رحيل روح القلب رانيا كانت هذه إشارة خضراء لبداية هموم وأوجاع ليس منها مفر... كان هذا بداية العذاب الروحي الذي ليس له نهاية، فكل يوم كنت أدخل فيه البيت، أذبح نفسي ووالدي بالسؤال عن رانيا، وعندما تبكي أمي أعرف الجواب، وأنا والله لم أتعمد يوماً طرح تلك الأسئلة، فقلبي وعقلي لم ولن يتقبلا رحيلها... كنت أنسى أنها ليست في الوجود لكن جسدياً فقط، لأنك يا رانيا لم ترحلي عنا روحياً.. كنت أعيش هذا الذبح الروحي كل يوم وأموت في اللحظة مئة مرة، ولكن مع مرور الأيام الضائعة بدأت أتعود على غيابها الجسدي، فكل يوم أخرج من الثانوية أتوجه مباشرة إلى مرقدها وأتكلم معها، أفتح لها قلبي وأحكي لها كل ما جرى لي في اليوم، ولكن في الأخير تصفعني الدنيا وتقول لي: «أنت تكلم التراب ولا أحد يسمعك فكفاك كذباً على نفسك»، ولكن كنت أجيبها دوماً بأن هذا الكذب أرحم من حقيقة، لو طلبنا من جبل أن يتحملها لصار تراباً... ومرت الأيام وجرت العادة أن أزور رانيا يومياً، وما كان يجرحني أنني لم ألق صديقاً واحداً يحس بعذابي ويحاول أن يخفف من آلامي.. وفي إحدى المرات وأنا متكئ على مرقد رانيا وأبكي بدموع لهيبها كالبركان المنفجر أحسست بيد أمسكت بي من كتفي، ظننت أنها يد أبي أو أمي، ولكن عندما نظرت إلى

ففي الأيام الأولى من التعارف كنا نلتقي في الحديقة العمومية لبلدتي، وكل مرة كنت أشكو له وأعبر عن عذابي كان يعجبني فيه إحساسه بطائر مكسور مثلي، وأحببته كثيراً عندما قال لي:

الصفحات