أنت هنا

قراءة كتاب دور الدين في المجتمع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دور الدين في المجتمع

دور الدين في المجتمع

كتاب " دور الدين في المجتمع " ، تأليف د.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 6

إلى جانب ما تقدم ظهرت تيارات عند بعض المتخصصين في دراسة القضايا المتعلقة بالدين إلى القول بأن ما تعرض إليه العالم خلال العقود الأخيرة، وخصوصاً تنامي ظاهرة العولمة، سينتج عنه ظهور أنساق قيمية لا تتأثر كثيراً بالتعاليم الدينية. وهذا أمر طبيعي، فنسق القيم الرئيس في الثقافة تكونه مصادر متعددة؛ من بينها العادات والتقاليد التي سادت قبل سيادة الدين، والاستعارات من ثقافات أخرى، وما يتوصل إليه العلم.. إلخ. لذلك لا يمثل هذا موقفاً جديداً من الدين، فمنذ القدم اهتم البعض برصد حركة تطور الأفكار عبر الزمن، بما في ذلك الأفكار والمعتقدات الدينية. تبين لهؤلاء أن الفكرة الدينية الواحدة تتغير وتتبدل وتتطور عبر العصور؛ فمثلاً سجلت صور كثيرة للإله، ظهر عند البعض وفي بعض المجتمعات على شكل امرأة اتخذت أسماء متعددة باختلاف المناطق، وكذلك ظهر الإله المذكر. كما تصوره البعض ضمن المكونات الفلكية فكانت الشمس وكان القمر وكانت نجوم بعينها، وكذلك ضمن ظواهر الطبيعة من مطر ورياح، وكانت الطيور وكانت الحيوانات وهكذا.

يرى أغلب الذين اهتموا بالنظرة التطورية هذه أن الزمن في مصلحة العلم من حيث تعاظم نسبته في مكونات الثقافة، ويتم هذا على حساب نسبة تأثير الدين، بحيث يأتي اليوم الذي يكون فيه العلم إله المستقبل. وبعبارة أخرى كلما تقدمت المعرفة العلمية تنخفض مكانة الدين ويضعف دوره في المجتمع، وسيأتي يوم ينتهي فيه ويزول من على الأرض. وتجدر الإشارة إلى أن الملاحظات الميدانية حتى الآن لا تؤيد صحة هذا التنبؤ، فحتى عندما تولى النظام السياسي إلغاء جميع المظاهر الدينية بالقوة، واستمرت عملية القمع هذه لعقود، وتصور البعض بأن الدين انتهى في تلك المجتمعات، تبين أنه توارى عن الأنظار، وبقي مختبئاً في الذاكرة الشعبية، ليظهر من جديد وبقوة فور زوال الدور التسلطي للدولة الاستبدادية.

لكل دين نصوص، وهي محاطة - بطبيعتها وبالضرورة - بهالة من التقديس. وفي كل مجتمع أو في ثقافة المجتمع مساحة يشار إليها بالمقدس. قد يحتل النص الديني جميع مساحة المقدس في ثقافة المجتمع، وقد يحتل نسبة منه. يحتل الدين جميع المساحة المخصصة للمقدس في كثير من المجتمعات البسيطة التي يشير إليها بعض علماء الإناسة بالبدائية، لكن في المجتمعات التي مرت بمراحل من التغير أو التطور توجد في مساحة المقدس أشياء ليست من بين مكونات الدين. ولكن حتى في هذه الحالة الأخيرة فإن جوانب المقدس التي ليست من بين النصوص الدينية تتأثر كثيراً بالنصوص الدينية.

يحاط المقدس في داخل كل ثقافة بهالة من التقديس تضمن احترامه وطاعة الأوامر المنبثقة عنه، ويدخل بعض المقدس ضمن التنظيمات المجتمعية المترجمة في مواد قانونية، ومواد أخرى مفسرة للمواد القانونية، تعمل جميعاً لتنظيم أشكال الحياة الاجتماعية في داخل المجتمع. يخصص المجتمع هيئات وجماعات تتولى مهام تنفيذ مواد القانون ومتابعة المخالفين، والعمل على أن يحترم الجميع القانون والسير وفق قواعده، ولم يؤثر هذا في دور رجل الدين في المجتمع. اجتهد البعض في السابق من نفسه للتخصص في قضايا الدين ليحتل مكانة اجتماعية يعترف بها المحطيون به. لهذا الاعتراف مؤشرات لعل أهمها مراجعته لمعرفة الطريق السليم لمزاولة الطقوس الدينية على المستوى الفردي، ويقود مزاولة الطقوس في حضور جماعة، والاهتمام بفهم وتفسير النصوص، وتقديم النصح والإرشاد، وإصدار فتاوى دينية. ثم فيما بعد تطورت الأمور وتعقدت، وظهر ما يعرف بالمؤسسة الدينية، وأنشئت مدارس دينية تتخصص في إعداد رجال الدين، وطورت قواعد تنظم أنشطة رجال الدين، وتحديد مكافآت لقيامهم بمهام محددة بعضها تعليمي وبعضها الآخر إرشادي.

حرصت بعض المجتمعات على تقوية المؤسسة الدينية وجعلها مؤسسة رسمية، كما حاولت أن تقصر مهنة رجل الدين على الذين ينتسبون للمؤسسة الرسمية. لكن هذا لم يمنع المهتمين من خارج المؤسسة الرسمية من التخصص في هذا المجال معرفياً، لذلك يوجد في كل مجتمع أشخاص رجعوا إلى النصوص الأصلية واجتهدوا في تطوير تفسيرات تختلف عن تفسيرات من سبقوهم. التزم بعض هؤلاء بالتيارات الرئيسة في مجتمعاتهم، في حين فضل البعض الخروج على التيارات الرئيسة أو التيارات الرسمية، والاجتهاد بأسلوب خاص وضعهم في بعض الأحيان في مواجهة مع السلطات الدينية الرسمية ومع السلطات السياسية.

تؤكد النصوص الدينية في الأديان الرئيسة تفوق الإنسان على بقية الحيوانات، وتبين أن السبب الرئيس هو تمتع الإنسان بالعقل، وأن هذا العقل هو الذي ساعد الإنسان على التفكير والتمييز، ومكنه من فرض سيطرته على جميع الحيوانات مع أنه ليس أقواها فيزيقياً. ومع ذلك عرفت هذه حقباً تاريخية نجح فيها رجال الدين في تحجيم سلطة العقل، وحصرت مهمته في حفظ النصوص الدينية، وتفسير مفرداتها بمفردات أخرى، والإغراق في البحث عن جذور الكلمات وعن أصلها؛ أي حصر الاجتهاد في بنية النص، والمحافظة على النقاش في حدود ضيقة، وعدم السماح بإخضاع ما تضمنته النصوص من وقائع وأحداث وبيانات للبحث والتفكير. وعندما فسرت النصوص الدينية بحيث جعلت الأرض هي مركز الكون وأن الشمس وغيرها من الكواكب والنجوم هي التي تدور حول الأرض، كفر كل من حاول وضع هذه الحقيقة على شكل فرض قابل للاختبار. سيطر خلال هذه الحقب الفكر الخرافي، والتفسير الغيبي للظواهر الطبيعية والسلوكية، وإعطاء الأولوية للطقوس، ولأهمية إرضاء الخالق، والتوسل إليه بوسائط مختلفة بما فيها فئة من أبناء البشر حيكت عنهم حكايات خرافية، بحيث بدوا وكأن لهم قدرات خارقة وهم يرقدون في قبورهم منذ مئات السنين.

يحق - نظرياً - لكل مؤمن بدين ما الاجتهاد فيه، وهذا الذي حدث خلال مختلف العصور. قادت بعض هذه الاجتهادات خلال القرن العشرين بصفة خاصة إلى تكوين جماعات سرية تبنت التعصب والتطرف، وعبر بعضها عن نفسه في شكل أعمال عنف أحدثت فوضى على مستوى المجتمع الذي تنتسب إليه، ووصلت هذه الفوضى في بعض الحالات إلى خارج الحدود السياسية للبلد، وأصبحت تهدد حالة التوازن والأمن العالميين، لذلك سنفرد لها في هذا البحث حيزاً مناسباً. لكن قبل أن نصل إلى هذا الجزء لابد من مناقشة بعض خصائص الدين، وأولها وظيفته في المجتمع.

الصفحات