أنت هنا

قراءة كتاب تفريغ الكائن

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تفريغ الكائن

تفريغ الكائن

كتاب " تفريغ الكائن " ، تأليف خليل النعيمي ، والذي صدر عن دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 1

1

لن أجلس، بعد اليوم، ملتاعًا لأكتب·

أكتب لمن؟ ولماذا؟ وكيف؟

يكفي· تغيَّرَ كل شيء·

الكتابة؟ التفكير المستمر بها؟ هوسها وخفاياها·

الكتابة· قناع التُفَّه والأفاقين·

لا· يكفي· هذا المساء أريد أن أحكي· أريد أن أبكي· أن أبحث عن نفسي بين الأنقاض· الكتابة صامتة وبليدة· وأنا هذا المساء أبحث عن ضجيج·

منذ سنين وأنا أريد أن أفهم كل شيء· لكن التغلغل المستمر بين اللحظة واللحظة يشل طاقة الإدراك، ويعمي بصيرة النقد·

الآن، في مواجهة الفراغ الهائل، هذا، أرى بوضوح مدى الخسارة والإرهاب· لا، لم يكن الزمن زمنين، والعالم لم يكن إلا عالمًا واحدًا شديد الاختلاط·

كنت أريد أن أبدأ المواجهة الأخيرة، أخيرًا· تلك المواجهة الحاسمة التي كنت أنتظرها منذ أول الليل· لكن الظلمة التي غيرت الملامح والحصون، غيرت، في الآن ذاته، وضع المواجهة وموضوعها· فلم يعد الأمر يثير الرغبة بالحديث، ولم يعد الصمت لائقًا بالمقام·

كان الظلام يجيء من الغرب، ومع الظلام الهاجم بدا النهر غامضًا وسخيفًا· شيء من العبث المخيف بدأ يتسرب، خلسة، إلي·

كان يكفي أن أستدير لأراها خلفي· وأن أراها، هو أن أرى أوهامي· أوهام الحياة الأولى التي بدأت تتجمد مثل الماء المضروب· عيوب في عيوب· ومع ذلك، كنت قد قررت ألا أحل عن نفسي، قبل أن أستشرف البرهان· لكن البراهين لم تعد تغري أحدًا غيري· أنا الوحيد الذي لا زال يقبع في الأوهام، إذن؟ بلى· وإلا كيف لا زلت أبحث عن جدوى وضع لم يعد ذا جدوى؟

وهذه المرأة اللاصقة بي، كيف أستطيع ابتكارها، وإنكارها هو المطلوب؟ متى حدث ذلك؟

الآن؟ البارحة؟ منذ عام؟ منذ أعوام كثيرة مرت· حدث ذلك قبل قليل· في بداية الأنا ونهايتها·

كان كل شيء يتهاوى، ويتهاوى ببطء ثمين· كنا نجلس، معًا، على الطريق· طريق البيت الجواني، داخل البيت··· بين جدران عالية حتى السماء· جدران صم كتومة· لا يتسرب منها الصوت· ولا تصلها الضوضاء· الأنا داخلها جثة تتحرك دون ضجيج· جثة معلقة في سماء باريس السابعة والعشرين·

بيتي· بيتها· بيتنا الذي لا نعود إليه إلا للفرار منه· وإلى أين؟ إلى القاع· القاع البليدة النكراء· أرض بلا طين· لا حَصْوَ فوقها ولا تراب· بضع طيور صغيرة تدور، سأمًا، في المحيط· شبعة لا تبحث عن غذاء· آمنة لا يطاردها لا ظمأ ولا صياد· طيرانها هادئ ومستقيم· طيور عاقلة كالموت· أين منها طيور الجزيرة الحوامة؟ فجأة بدأ الكلام يتلون ويتلوث· يأخذ أبعادًا ومسافات· كلام جر كلامًا تبعه صمت ممُضّ· صمت أول الليل· صمت الخراب· صمت متواطئ، مثل برد باريس اللعين· البرد، البرد النافذ الذي يوصل العظام بالعظام· صمت وبرد وأنا، هذا المساء، أبحث عن كلام· كلام غامر يضفي بعدًا مأساويا على تفاهة الحياة· منذ البداية وأنا أتكلم صمتًا· أتكلم بلا كلام· هذه المرة أريد أن أكون· أن أقول كلام قلبي بلسان عقلي· أريد أن أمشي· أن أركض - أن أنط· أريد أن أراها، وأن تراني· أن أراها بلغة الضوء· الاضطراب الغامض الذي لَفَّنا منذ البداية بدأ يتجلى عبثه الآن· أسطورة المكان، هذه المرة، صارت تساوي أسطورة الزمان· انتبه!

لم أعد أحب اللعب على الذات، ولا، على الآخر· لم أعد أريد أن أتاجر بحالي· لم أعد لعبة بيد السلطة· ولا أريد أن أصير لعبة بيد الحب· أظن أن عيوني تشهد على ذلك· ألا ترين؟

وأتطلع حولي· أبحث عن الشاهد والمشهود· أريد أن أرى ذاتي القديمة وهي تتراجع أمام ذاتي الجديدة· أحب أن يدمر الوعي الوعي الأضحل· أن يطرد الوعي القوي من أخلاطي الوعي الضعيف· ما قيمة حياة لا تمزقها سكاكين وعي لا يكف عن الارتقاء؟ وفجأة هب الصوت:

- تسألني؟ بلى· منذ سنين وأنا أريدك أن تفهم· وأن تفهم هو أن تنقلع من ماضيك، أن تنقلع كما ينقلع الحجر من بطن القاع·

الصفحات