أنت هنا

قراءة كتاب صمت يتمدد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
صمت يتمدد

صمت يتمدد

كتاب " صمت يتمدد " ، تأليف سليمان الشطي ، والذي صدر عن دار المؤسسة للدراسات والنشر .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 1

1

ابريل 1984

ينتظره إغراء المدن التاريخية، تتوثب الذاكرة، يحضر التاريخ، تثار الذكريات، يتمدد الحزن·

قبل شهور قيل له باستبشار:

- روما الجميلة تنتظرك·

لأول مرة تسند إليه أعمال كثيرة، ملامح السفير وكلماته فيها تبرير معتذر: عددنا في السفارة قليل، سنستفيد من خبرتك الطويلة وأضاف مؤقتا

ما الجديد؟· كان دائما يعمل بديلا مؤقتا ؛ خبراته متقطعة في السكرتارية والإدارة والصندوق وجهاز الشفرة، حيث تعامل لأول مرة مع الأسرار، وهي قليلة·

هذا الالتفات المؤقت سيضعه في دائرة الضوء· لا يرغب بهذا ولا يحبه· المهم أنه يعود آخر النهار إلى زاويته·

في شرفة شقته منفردا تتمدد اللحظات فيصفو، ينظر بعيدا يرى الخضرة فيتمنى أن تكون الحياة هكذا· يتقاصر مدى نظره فتبدو الخضرة كسيحة، يتشابك معها لون المباني الرمادي المتجه إلى السواد، الخضرة السوداء تتفرق بين شقوق السور الذي يُطوِّق مدينة التواريخ، فتحات ينفذ منها العابرون، يتنقلون بين إطارين، قديم وحديث، اختناق هنا، انفتاح هناك، اندفاع السيارات التي تلتف مع التفافة الطريق المقوس، يتجمع في أذنه ضوضاء الطرفين· يشده في هذه اللحظة تباطؤ الحركة، وتخافت الأصوات التي ستستيقظ من قيلولتها بعد قليل، يتهيب من الأصوات ؛ من الضجيج الذي لا يقول فكرة، أصوات بهيمية تنفس عن مخزون مستاء·

عندما هبط في هذه المدينة، رأى الطرق غير الطرق التي تصورها والناس غير الناس والحياة مختلفة· الماضي عندهم محفوظ بالذاكرة ولكنه منزوع سلاح الفعل، لم يعد يلعب دورا، الناس هنا يتغيرون· يذهب تفكيره إلى أن أشباح الماضي تنتفض عنده حية مرعبة، الجروح تنفتح وتتكاثر مع الأيام، تمد أصابع المنع· تذكَّر أن التاريخ حاضر يرفع إصبعه إلى الفم محذرا، فنقف مستسلمين عند بوابة الذاكرة العنكبوتية· الهموم القديمة ابتعدت أكثر فأكثر· تمنى أن تكون قد سقطت تماما· اختفى وراء ابتسامة لا سبب لها، براءة مضحكة، محاولة هروب مستمرة من نظرات أمه التي حسمت موقفها فلم تحدثه حديثا ممتدا· في المكالمات التلفونية لم يعد يرى وجهها الناظر إلى الأرض أو الملتفت دائما إلى الناحية الأخرى· لولا أخته نجيبة لما تم اتصال بينهما، ظلت أمه ترفض التلفون والحديث من خلاله، يرن ويتوقف· ولكن لأجل نجيبة يتم التنازل فالاستجابة· التحقت نجيبة بالجامعة فاعتادت يد الأم على رفع سماعة التلفون لتقول: نعم· يفاجئها صوته القادم من بعيد· تصمت· يسمع صوت دفقة تنسمها ثم تأتي كلماتها المقتضبة القاطعة، هي وحدها الواصلة بينهما، تسمع ولا تجيب، منذ أن صرخت عليهما، في ذلك المساء البعيد:

- فعلتوها يا سفلة··

وتجددت صرخة الصد القاطعة، وهو يدفع أخاه عيسى إلى خارج البيت:

- لن أغفر لكما··

الصفحات