أنت هنا

$4.99
ليلة في القطار

ليلة في القطار

0
لا توجد اصوات

الموضوع:

تاريخ النشر:

2013

isbn:

978-9957-30-347-1
عربية
مكتبتكم متوفرة أيضا للقراءة على حاسوبكم الشخصي في قسم "مكتبتي".
الرجاء حمل التطبيق المجاني الملائم لجهازك من القائمة التالية قبل تحميل الكتاب:
Iphone, Ipad, Ipod
Devices that use android operating system

نظرة عامة

على الرّغم من كلّ ما قد يقوله المتزمّتون، وما قد يتندّر به السّاخرون من أنّني تخلّيت عن الوقار في كهولتي، وقد كنتُ وقورًا رصينًا في كلّ ما كتبت في شبابي، وعلى الرّغم كذلك ممّا قد يتبادر إلى أذهان بعض البسطاء من أنّني قد أردت بهذه الرّواية أن أدغدغ عواطف المراهقين فحسب، على الرّغم من كلّ هذا وذاك، هذه الرّواية أعتزّ بها كلّ الاعتزاز، واعتبرها عمل ذروة بين أعمالي الأدبيّة حتّى اليوم: سواءً من النّاحية الرّوائيّة الفنيّة، أم من حيث الهدف الإنسانيّ، أم من حيث قوّة الحوار والتّحليل.
ولم يكن من الممكن أن تجيء هذه الرّواية قويّة دون أن تكون بكلّ هذه الصّراحة الّتي أدرتها في إطارها، وليس مهمًا أن تكون أحداثها وحوارها أشياء واقعيّة أم هي من ابتداع الخيال فحسب، فقد اعتدت في أغلب رواياتي وأعمالي القصصيّة أن أدير القصّة على لسان المتكلّم، حتّى لقد ظنّ الكثيرون أنّ المؤلّف هو دائمًا بطل رواياته وأقاصيصه. وهذه نظرةٌ بدائيّة جدًّا ولا اعتبار لها، وأعتقد أنّ إدارة القصّة على لسان المتكلّم تجعلها دائمًا أوقع في نفس القارئ، بغضّ النّظر عمّن يكون البطل الحقيقيّ فيها، إلّا أنّ هذا لا يمنع في كثيرٍ من الأحيان أن يدخل المؤلّف أشياء من تجاربه الشّخصيّة في عمله الأدبيّ: فالمؤلّف لا يستطيع أن يعتبر نفسه منفصلًا عن المجتمع ولا عن الإنسانيّة، وإدخاله أشياء من تجاربه الشّخصيّة في أعماله الأدبيّة يعطيها مزيدًا من القوّة، ومن حقيقة كونها عملًا منتزعًا من صميم المجتمع الإنسانيّ.
ولست هنا أقدّم للقارئ رواية تعتمد على الوقائع والأحداث المثيرة: فالرّواية كلّها تدور ضمن جدران حجرةٍ صغيرةٍ في القطار اللّيليّ، وفي مدىً أقلّ من عشر ساعاتٍ فقط، وفي مثل هذا الحيّز المحدود جدًّا لا ينتظر أن تكون هناك أحداث ووقائع متنوّعة، بل يكون الاعتماد على الحوار في الدّرجة الأولى، وعلى براعة الرّوائيّ في تغيير المشاهد بالقدر الممكن ضمن الإطار الصّغير المحدود، وهذا ما حاولت أن أفعله، والّذي يعوّض القارئ هنا عن وفرة الأحداث وتنوّعها، وعن كثرة عدد الأشخاص، هو قوّة الحوار، وقوّة التّحليل، ولولا ذلك لكان الملل هو الشّيء الأوّل الّذي تقدّمه رواية لا يزيد عدد أبطالها عن شخصين، ولا يزيد زمنها عن تسع ساعاتٍ ونصف السّاعة، ولا يتجاوز مكانها – مكان وقائعها وأحداثها – حجرة صغيرة في قطارٍ ليليٍّ.
في هذا الإطار المحدود جدًّا للزّمان والمكان، والشّخصيّات، أردت أن أقدّم عملًا روائيًّا يتميّز بالصّراحة، وبالجرأة – ربما غير المألوفة عندنا – في معالجة المفاهيم والتّقاليد والأخلاق، وفي المقارنة بين البيئتين: الشّرقيّة والغربيّة، بين الجمود والتّزمّت، والحريّة والتّحلّل، بين التّمرد والتّشدّد، وبين الرّيّاء والصّراحة. وأنا أعلم أنّ الإطار الأخلاقيّ الّذي وضعت فيه شخصيّ الرّواية الوحيدين لن ينطبق على الواقع تمامًاً: موقف البطل الشّرقيّ، بشكلٍ خاصٍّ، لن يكون صحيحًا أبدًا، فما يمكن أن يتعرّض رجلٌ لمثل الموقف الّذي تعرّض له هذا البطل الشّرقيّ، ثمّ يخرج من المعركة العنيفة منتصرًا على التّجربة كما انتصر بطل الرّواية، ولكنّني تعمّدت هذا الموقف، تعمّدت أن أضع البطل الشّرقيّ فيه لغرضٍ أرجو أن يدركه القارئ نفسه دون أن أدلّه عليه، حتّى أقرب النّاس الّذين لم يجاملوني، بل قالوا إنّ هذه الرّواية – كذّابة!!! .. موقف البطل الشّرقيّ هو "الكذّاب" .. هذا صحيح، أعترف به.. وقد تعمّدت أن يكون كذلك. ثمّ بطلة الرّواية الغربيّة، لا يمكن أن يكون موقفها صحيحًا تمامًا: هو صحيحٌ الى حدٍّ ما، ولكنّه لا يمكن أن يصل من التّمادي إلى الحدّ الّذي أردت وتعمّدت أن أصوّره، ولكنّني مع ذلك تعمّدت أن أصوّره بهذا الشّكل لتكمل به الصّورة والنّهاية اللّتان أردتهما. المهمّ أنّني أستطيع أن أقول إنّني قدّمت بهذه الرّواية للقارئ عملًا قويًّا، وأنا واثقٌ من أنّه لن يلقي الكتاب من يده قبل أن يأتي عليه بكامله، مدفوعاً بقوة الحوار والتّحليل، وعنف المواقف، وجاذبيّة الموضوع، وأنا واثقٌ كذلك من أنّ القارئ المنصف سيرى أنّني عالجت هنا موضوعًا جديرًا بالمعالجة القويّة، لأنه أخطر من أن نظلّ ندور حوله من بعيدٍ، دون أن نمسّه عن كثب، خوفًا من أحكام المتزمّتين والمتنطّعين الّذين يقولون باللّسان ما لا يستطيعون الصّمود عليه عند الجدّ.
وحين تجد روايتي هذا الإنصاف الصّحيح، سيقول تاريخ النّقد الأدبيّ يومًا إنّها جاءت (علامة فارقة في اتجاه الرّواية العربيّة الحديثة). إلى هذا رميت، وهو ما آمل أن يقوله النّقد النّزيه المنصف

عمّان – 25 ديسمبر 1973
عيسى النّاعوريّ