كتاب " الجنوبي " ، تأليف عبلة الرويني ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :
لن أطلب منكم الوقوف حداداً
أنت هنا
قراءة كتاب الجنوبي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الجنوبي
كان موعدنا الثاني مقهى ريش.
وقد كان ريش في ذلك الوقت يسبب لي نوعاً من القلق، كان مجرد دخولي إليه يشعل وجهي بالخجل والارتباك، كل الوجوه تتطلع نحوي بفضول غريب وربما ليس نحوي أنا شخصياً، قدر ما هو تطلع نحو هذه الفتاة الخجول الباحثة عن أمل دنقل.
يبدو أن ارتباكي فضحني فسألني أمل:
ـ هل يضايقك الجلوس في ريش؟
رددت بسرعة ـ نعم.
قال: بالفعل لن تستطيعي إجراء الحوار وسط هذا الكم من البشر. يمكننا الذهاب إلى مكان آخر أكثر هدوءاً، وهو مكان مريح بالنسبة لي.
ذاك المكان المريح هو بار فندق كوزمو بوليتان!!
أرفض مقهى ريش الذي يربكني دخوله لأذهب إلى بار لإجراء حوار مع شاعر!!
كانت هذه المرة الأولى التي أدخل فيها باراً، مثلما كان ريش أول مقهى أدخله، وكان أمل أول مصدر صحفي يمنحني حواراً وهو يتناول زجاجة من البيرة!!
لا أذكر كيف بدأ السؤال، لكن الإجابة الأولى ملأت ثلاث صفحات كاملة انتهت بتمزيقي لها.. حيث راح أمل يحكي عن طفولته الأولى، وكيف عرف الشعر صغيراً، وكيف شجعه أستاذ اللغة العربية بالمدرسة على الاستمرار في كتابة الشعر.. وكان ذلك فيما أظن استطراداً طويلاً خارج إجابة السؤال.. فتوقف فجأة عن الكلام، وطلب مني تمزيق الصفحات ثم اقتصد:
بطاقتك الشخصية:
الاسم: محمد أمل فهيم محارب دنقل.
المهنة: شاعر، قانون الصدفة يحكم علاقته بالشعر ليقف على أرض الهواة لا المحترفين، لأن تعمد الشعر أو لبس العباءة الشعرية يحرم الشاعر من ميزة التلقائية والتجربة الاجتماعية.
السؤال المطروح: الحرية والحق والجمال والحرية تأخذ الأولوية لأن الحق مرتبط بتحقيقها، والجمال نتيجة لتحققها.
الموقف: غير محايد، فالشاعر المحايد شعره منه إليه، لأن حياد الإنسان يقتل في داخله الطموح، والشاعر ليس آلة كاتبة تكتب ما تدق عليها أصابع القدر، دون ان يكون لها إرادة فيما يحدث.
قلت: هل تسمح لي بالتعليق على بطاقتك؟
قال: اشربي قهوتك.. وتكلمي!
قلت: كل معارض مرفوض.. فكيف تعيش كشاعر في جو من الرفض؟
قال: أنا أعتبر أن الشعر يجب أن يكون في موقف المعارضة. حتى لو تحققت القيم التي يحلم بها الشاعر، لأن الشعر هو حلم بمستقبل أجمل. والواقع لايكون جميلاً إلا في عيون السذج!
كان ذلك جزءاً من أول حديث صحفي يجريه أمل مع جريدة الأخبار
(11/12/1975) وكان أيضاً هو آخر حديث. حيث ظل اسم أمل مدرجاً في قوائم الشخصيات الممنوع ذكرها داخل الجريدة (رغم عملي بها) بل كثيراً ما قام المشرف العام على الصفحات الأدبية بجريدة الأخبار (عبد الفتاح البارودي) بشطب اسم أمل من داخل خبر، أو حتى داخل استطلاع لآراء الكتاب والأدباء.. فإذا ذكر أحدهم اسم أمل، أو اسم كتاب له، قام المشرف العام بحذف هذه العبارات، مردداً أن أسماء الشيوعيين لاحق لها في النشر بالجريدة.. بل راح مرات عديدة يتهم أمل بكسر عمود الشعر، والإساءة للغة بما يكتبه من شعر حديث!!
كما أن نشر هذا الحوار تطلب نوعاً من التجاوز الخاص من المشرف الأدبي حينئذ (رشدي صالح) حيث قام بكتابة تقديم أعلى الموضوع:
«حتى لايظن شاعر أن الملحق الأدبي يقف له بالمرصاد فإنه يقدم هذا الحوار وللنقاد والشعراء الآخرين أن يقفوا على نفس المنصة وأن يقولوا آراءهم».

