أنت هنا

قراءة كتاب سابع ايام الخلق

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سابع ايام الخلق

سابع ايام الخلق

سابع ايام الخلق ـ هي احدى أهم روايات عبد الخالق الركابي وهي ملحمة روائية عراقية تستحق احتفالية خاصة نساها النقد في الخارج ولم يتعرض لها احد كما لو ان الركابي متهم بإرتكاب جريمة العيش في وطن تقلصت حدوده الى مجرد كرسي متحرك يعيش ويكتب ويحلم داخله ويحاكم الازم

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 6
وألقى بدر برأسه إلى الوراء وقد أخذ يقهقه، حتى إذا ما استطاع السيطرة على نفسه أضاف وهو يمسح بظاهر يده الدموع عن عينيه:
 
- وبذلك تستطيع أن تطمئن إلى أنك نجوت من (الفصل) والنساء الثلاث!
 
واستدرك وهو ينهض معيداً الكتاب إلى موضعه:
 
- ولكن إعجابه بك مشوب بشيء من الحسد؛ ذلك لأنك نجحتَ في ما فشل فيه هو؛ فمنذ عقود من السنين وهو يطمح إلى كتابة رواية عن تاريخ مدينة الأسلاف!
 
لعل في وسعي الآن أن أحدد ذلك اليوم بداية لانبثاق فكرة هذه الرواية لدي؛ فقد كشف لي بدر فرهود الطارش جملة أمور من المؤكد أنها ستثير شهية أي روائي يستميت من أجل إنجاز عمل استثنائي!
 
وعلى مدى أسابيع أخذتْ تلك الفكرة في الاختمار؛ فزياراتي المتكررة للمتحف حرّكتْ جملة أمور بلورت في آخر الأمر هذه الصفحات·
 
كنت أختلس الساعات من عملي مدرّساً للفن في مدرسة يبقى درس (الرسم) آخر ما يشغل طلابها، تاركاً لصديقي الشاعر مهمة استثمار دروسي الشاغرة لتدريس مادة اللغة العربية التي يعشقها عشقاً، معتمداً في ذلك على (سماحة) مدير لا يألو جهداً للتخلص مني، فأسارع إلى القفز إلى أول سيارة تحملني نحو (تل الأربعين) حيث تكون ورقاء في انتظاري بابتسامتها المعهودة·
 
- (الراووق) أيضا؟
 
تبادرني بالسؤال، وحليتها الذهبية تتألق فوق صدرها· وفي قاعة المطالعة أجلس في مواجهة النافذة الجنوبية، حيث أشرف على ذلك الجانب من المدنية، مفكراً بغرفة (الأرسي) التي تنتظرني (هناك) في أقصى الجنوب· لكنني سرعان ما أنغمر في قراءة المخطوط مسجلاً في دفتري بعض الملاحظات·
 
هكذا تكررتْ استعارتي لـ(الراووق) أسابيع متعاقبة؛ إذ إن تعليمات مكتبة المتحف كانت تمنع (منعاً باتاً) إخراج المخطوطات منها·
 
بدا من الواضح أن شبيب طاهر الغياث كان قد بذل جهوداً هائلة في تحقيق المخطوط، بل أستطيع أن أزعم أنه كاد يكون قد ألّف نسخة جديدة من عشرات النسخ المتباينة شكلاً ومضموناً· لكنني لم أفاجأ بجديد في ما قرأتُ؛ فعلى الرغم من أن (شبيب) استطاع أن يخرج بنص يكاد يخلو من أي إسقاط أو تشويه أو تكرار، لكن جوهر (الراووق) لم يكن يخرج عما تآلفنا على قراءته في عشرات النسخ الخطية الشائعة عنه، وهذا أمر كان أبعد من أن يفلح في دفعي إلى خوض تجربة كتابية سبق لي أن استنفدتُ موضوعها، بيد أن بدر فرهود الطارش بتلميحاته المبهمة عن وجود (أسرار) وأحداث (محظورة) تتعلق بالمخطوط استطاع أن يشحذ خيالي، حتى إذا ما قادني إلى بيت شبيب أضحى وجود هذه الرواية أمراً لا مفر منه!
 
لقد بدا كأن (القدر) - الذي سبق له أن دفع بعض القيّمين إلى الإضافة إلى المخطوط بحجة تجلّي (السيد نور) لهم بشكل من الأشكال - عاد يكرر الأمر نفسه وكأنه لم يربط بين شبيب طاهر الغياث وبدر فرهود الطارش بتلك الصداقة إلا من أجل غاية وحيدة لا تتعدى إحياء مضمون (الراووق) من خلال روايتي هذه!
 
بيد أن المشكلة هي أنني آخر من يؤمن بـ(القدر) ولاسيما في هذا الأمر؛ ذلك لأنني - بحكم إلمامي بدقائق تاريخ المدينة - خير من يعرف الظروف الاستثنائية التي جمعت الرجلين - على بغض أحدهما للآخر - بتلك الصداقة التي غدت فيما بعد مضرب الأمثال: فعقب الأحداث الدامية التي عصفتْ بمدينة (الأسلاف) أثناء (ثورة العشرين) - والتي كان من أهم ضحاياها فزع الطارش، أبرز الممالئين للإنكليز - ألقي القبض على العديد من الرجال الذين أسهموا في (العصيان) - كما ورد في التقارير الرسمية - أو حرضوا عليه· وكان شبيب طاهر الغياث من بين المقبوض عليهم، وذلك أمر أثار عطف الجميع عليه؛ إذ إنه كان لا يزال فتيّاً في العشرين من عمره، فضلاً عن أنه كان (عرّيساً)؛ فقد تزوج في صيف تلك الأحداث الساخنة·
 
لم تكد تمضي شهور حتى أستجيب شكلياً لبعض مطالب (الثوار)؛ فأعلن عن انبثاق كيان دولة نصب على عرشها ملك، وأطلق سراح بعض المسجونين والمنفيين، ولاسيما من لم يتورط منهم بفعل جنائي·
 
وهكذا عاد شبيب طاهر الغياث إلى المدينة محاطاً بهالة من التبجيل والاحترام ليجد في انتظاره كتب ممدوح أفندي وقد ملأت حجرة زفافه - إذ إنه كان لا يزال يعيش في بيت والديه - وكان ممدوح أفندي - لسان حال ثوّار المدينة - قد صدر الأمر بنفيه، فأوصى بكتبه إلى شبيب· قال يوم اُقتيد إلى السيارة التي حملته تحت بنادق (الشبانة) إلى مصيره المجهول:
 
- لن أجد من يستحقها خيراً من تلميذي النجيب شبيب؛ فهو وحده يعرف قيمتها: فعلى الرغم من أنه كان قد تخطى الخامسة عشرة من عمره حين شرعتُ في تعليمه القراءة والكتابة، لكنه استطاع، في ظرف فترة قصيرة، أن يقرأ (ألف ليلة وليلة) على مدى أيام متعاقبة كاد يفقد خلالها البصر!
 
وأبى شبيب إلا أن يبقى عند حسن ظن معلمه القديم؛ فمنذ ذلك اليوم غدتْ تلك الكتب موضع اهتمامه الدائم، لا يمل قراءة بعضها أكثر من مرة، مبدياً أساه حين يقف عاجزاً أمام الكتب المطبوعة بالفرنسية، ليردد قولاً غدا شائعاً على الألسن فيما بعد:
 
- لو أن ثورة العشرين كانت قد أُرجئت بضعة أعوام لكنتُ قد تعلمتُ الفرنسية أيضاً!

الصفحات