أنت هنا

قراءة كتاب أحلام

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أحلام

أحلام

كتاب " أحلام " ، تأليف سالمين القذافي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 3

جدران...

يصرخ عالياً ملء حنجرته:

ــــــ لا خروج بعد اليوم، لا خروج..!

ليرتطم صوته، محدثاً صدى، بجدران بيته الكبير واقفاً متصلباً متعنتاً بعنجهية وغرور وتسلط وسط بيته المليء بأفخر الأثاث الخالي من الدفء والحب. يقف هائجاً كالثور يقود معركة لإثبات ذكورته بين قطيعه الذي يتوج فيه انتصار فحولته، ورجولته، وأنانيته في كل شيء.

وقف منصور صارخاً:

ــــــ ألم أقل لا خروج ولا عمل؟؟ وما حاجتكن إلى العمل؟ لقد درستن في أفضل المدارس رغماً عني فلم أرغب في ذلك ولكن رغبة أبي كانت كالسيف على رقبتي!!

كان منصور يدرك بأن كل كلمة قالها وصلت إليهن عبر الجدران ومع الهواء الحزين المخيم في هذا البيت.

لا أحب أن يقول لي أحد قد رأيت شقيقتك اليوم وهي تعمل وآخرون يثنون عليها وكأني أعرضكن عليهم. فأنا رجل معروف وأستطيع الإنفاق عليكن فلماذا تجعلن مني شخصاً ضعيفاً ومقصّراً ومحتاجاً؟؟؟ فأنا لن أسمح بهذا!!...

كان يعنيها هي بالذات التي أصرت على العمل بعد تخرجها من الجامعة والخروج من هذا البيت الخالي من الدفء والمحبة إلى شيء مفيد تثبت من خلاله مهارتها وجدارتها، فهي التي لا تخرج من البيت إلا إلى العمل أو لزيارة بيوت أشقائها.. وهي التي درست الإعلام لتمارسه رغم خوفها من معارضتهم لها. وها هو منصور الذي كان يعارض دراستها هي وأخواتها لأنه لا يؤمن بفكرة خروج المرأة بأي شكل من الأشكال ويردد شروطه الماضية والمتجددة وكلماته الساكنة خلفها عقدة النقص، لتختبئ في اللاشعور عقلية مريضة سطحية لا تفقه أي شيء.

وهي صامتة وصامدة بل شيء أروع من الصمت لا نعرف ماذا نسميه؟... تبحر بصمتها وإصرارها بخوف كبير من هذا الواقف وكأنه شبح بغيض أمامها يخنق أنفاسها ويربك خطواتها في سجن اللارحمة، واللاثقة، واللامسؤولية، وبفهم سطحي لكل الأمور فليس هو ممن يستوعبون ويدركون.

فهم عمي البصر والبصيرة خاصة لن يصلوا إلى مستوى التزامها وجديتها، ومع هذا ما زال يحاصرها يكبل خطواتها بينما تحاول هي أن تنير ظلمتها المفروضة عليها بكبرياء وعناد فهي لم تقترف خطأً أو جرماً بخروجها للعمل. وهي ترفض أن تمارس حريتها خلف الكواليس والجدران وترفض الخنوع لقناعاته المريضة، وهو الذي جال هنا وهناك ورأى العالم لكنه لا يزال يقبع في أمراض فكره.

هذا هو أخوها منصور لم يغيره العلم ولم يغيره السفر والتجوال. بل هو من نوع البشر الذين يعيشون بعقول مسطحة، ولأنها الأجدر في أن تمارس حريتها في العلن فليس ذنبها كأنثى إن كان مجتمعها موبوءاً فذلك من صنع أمثالك يا منصور، وما الأبراج التي تقيمونها حولنا إلا دليل واضح على ضعفكم وخوفكم من أهوال ما تزرعون. فلن نحصد نحن أخطاءكم وعيوبكم التي تملأ الدنيا، وها هي الجدران أيضاً تشهد على سموم الرذيلة والاستهتار في داخلك أيها القابع في قمقم الجهل والنقص الفظيع الذي تعانيه... فليس ذنبنا إن كنت ممن يعيشون ولا يعرفون إلاّ كلمة أختي... وزوجتي. ليس ذنبي إن كنت ممن لا يدركون معاني الالتزام، معاني السمو الأخلاقي. ليس ذنبي إن كان غيرك وصل إلى القمر وأنت ما زلت واقفاً ومتخبطاً بغباء حتى مع نفسك، فكن كما ترغب أن تكون ودعني وشأني.

هكذا كانت تردد فوزية...

أنا يا أخي كما العصفور المحلق فوق كل شيء رغم أنه يعلم أن الخطر يحدق به إلا أنه يأبى الجنوح إلى السكينة والهدوء، ويأبى إلا أن يحلق عالياً لأن العلو مراده حيث يجد الراحة ويترك لجناحيه العنان ليتجها حيث يريدان، كما الفجر الذي يبزغ كل يوم ليعلن للنائمين أن يوماً جديداً قد أتى يحمل معه كل شيء. ورغم أن الفجر لا يطول وسرعان ما يزول إلا أنه يأبى أن يغيب وكل يوم يأتي ويقول لن أطول لكنني لن أزول...

قالت فوزية هذه الكلمات لأختها التي كانت معها في الغرفة وهي تسمع صراخ منصور. كوني كما أنت أختاه لا تخافي.. فالغيوم يا أختي كثيراً ما تتجمع وتتلبد في السماء وسرعان ما تفرقها الرعود الغاضبة فتنقشع بقوة.

اقتربت من شقيقتها الباكية التي ألقت بنفسها في حضن فوزية، نعم أنا وأنت هذه حياتنا وسنكون كذلك بدون خوف...!

الصفحات