أنت هنا

قراءة كتاب جبل الزمرد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
جبل الزمرد

جبل الزمرد

كتاب " جبل الزمرد " ، تأليف منصورة عز الدين ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 3

للحظات غلبتني أنايَ الأخرى، فشعرت بالتوتر وبعض الندم لمجيئي إلى هنا، أشعلت سيجارة ثانية علّها تمدني بالهدوء، وتمددتُ فوق الفراش.

دسستُ وجهي في الوسادة، هربًا من رائحة البخور فوجدتها صارت أكثر تركيزًا. جلست مستندة بظهري إلى قائمة السرير. خلت أنني أسمع ضحكات أبي الصاخبة تتناثر على أرضية الغرفة. رغم عدم رؤيتي له منذ ثلاثة عقود، ووفاته قبل أعوام. شعرتُ بحضوره معي، وشممتُ رائحة التبغ الممزوجة بأنفاسه. استحضرتُ نبرة صوته الهادئة وكلماته التي كان ينطقها متمهِّلًا كأنه يبخل بها على من يحادثه. اندهشت من حضوره الكثيف في مكان لم تسبق له زيارته. كيف لمن قضى جُلّ عمره بعيدًا ونائيًا عن كل شيء، أن يلاحقني طيفه أينما اتجهت؟

سمعت أصواتًا متداخلة تتجادل بعنف وعصبية، وتردد اسمي - بصيغته الفارسية - من وقت لآخر، وأنا عاجزة عن فهم ما يُقال، الكلمات بلا أي معنى أو دلالة محددة. خفتت الأصوات، تحولتْ إلى وشيش خفيف يحف بالمكان.

وحده اسمي كنت أميزه، يُنطق «بوستان دَريا» مرة و«باغ دَريا» مرات. مع حلول المساء، أُنيرت الشمعات الست من تلقاء نفسها. لم أشعر بالجوع أو العطش، كما لم أعد في حاجة للتدخين. مرّت حياتي أمامي كشريط سينمائي يتكرر ببطء وبلا نهاية. ذاكرتي باتت حاضرة ومحتفظة بأدق تفاصيل ماضيّ، مع التركيز على لحظات إخفاق تُستعاد في ذهني، لكنها على عكس توقّعي لم تخلِّف بداخلي ندمًا. كنت كالواقعة تحت تأثير مخدّر ما جعل ردود أفعالي بطيئة، وأزال أي توتر أو خوف، أو عاطفة.

هادئة تمامًا، خلعت ملابسي، وغفوت شبه عارية، في إغفاءتي سمعت أبي يترنَّم بأغنية غَمضَ عليَّ معناها. رأيتني طفلة تعدو فرحة بجوار ضريح سعدي الشيرازي في حديقة السعدية، أهبط درجات وأصعدها من جديد، لألعب بين أعمدة الرخام الوردية. أبتعد عن الضريح مسافة تتيح لي رؤية قبّته الفيروزية، وأقترب منه لأدقق في الرسوم المنقوشة على مدخله: كون أزرق يحتضن شجرة حياة تعكس زهورها وأوراقها مهرجانًا لونيًا يحتويه إطار ذهبي موشَّى بالنقوش. في الداخل بدت أبيات سعدي المكتوبة على الجدران كتميمة تتحدى الزمن.

غادرت المقبرة المحاطة بأشجار «السرو» متجهة صوب ينابيع الماء، مع كل خطوة أخطوها أنتقل من الطفولة إلى المراهقة ثم الشباب حتى صرت المرأة التي أنا عليها اليوم، خلَّفت السعدية ورائي، بينما أفكر في أن لا شيء يماثل ربيع شيراز، تذكرت وطن أسلافي المفقود فغمرني الحزن.

حين أفقت وجدتني مرتدية ملابسي بالكامل، وجسدي يؤلمني في أكثر من موضع، انتبهت إلى أن الغرفة مختلفة عن السابق، ظهرت فيها نافذة تتوسط الحائط عن يميني، ولم يكن هناك أثر للشمعدان بشموعه الست، ولا للكتب القديمة بجواره، المنضدة الخشبية نفسها لم تكن موجودة. خمنت أن هناك من نقلني إلى غرفة أخرى. اعتدلت في جلستي وأنا أتساءل عن مصدر الألم الخافت في جسدي. قمت ببطء، ارتديت حذائي، وخرجت بتثاقل.

وجدت صاحبة البيت جالسة في الصالة، تربعت بجوارها فوق «كليم» من الصوف. لم أخبرها بما اختبرته في الداخل، ولم يبدُ عليها أنها تنتظر كلامي أو تتوقع مني شيئًا.

حملت حقيبة يدي، وخطوت أولى خطواتي في طريق العودة. ثمّة مطر خفيف، وظلام يخطو مترددًا. أحكمتُ وضع شالي الأسود على كتفي، مددتُ كفّي أمامي فسقطتْ عليها قطرات مطر، ضممت قبضتي متمنية أن تتحول إلى أحجار زمرد متلألئة، تُذكِّر بحكاية «جبل الزمرد».

لِعلة ما طُرِدت هذه الحكاية من «ألف ليلة وليلة»!

أغفلها الرواة والمدوِّنون، في البداية لجأوا إلى تحريفها، وإذا انتبه أحد المستمعين، يمكرون فيصححون تفصيلة أو اثنتين، للتمويه على باقي التفاصيل المُحرَّفة. مع الوقت اختلفت عن أصلها، بل تناقضت معه، تفرَّق دمها بين الحواديت الأخرى، وتوزعت تفاصيلها عليها!

لا أحد يعرف لماذا قُدِّر لها تحديدًا أن تُحرَّف حد التضاد مع أصلها، ثمّة من يقول إن بعض الرواة القدامى وجدوا فيها إزعاجًا مبهمًا لا يقوون على تحمله، وهم ينشدون «الليالي» في أزقة وحانات: بغداد، والقاهرة، ودمشق. كأن لعنة ما تسمّها؛ لعنة تنتقل إلى عقل الراوي، وتنخر فيه كسوسة شرسة، حتى يستبد به وحش الجنون، كم من راوٍ فقد عقله، وهام على وجهه في الدروب!

آخرون زعموا أن التحريف المتعمَّد جاء طلبًا لسكينة روح الأميرة زمردة، ابنة ياقوت ملك الجبال والأحجار الكريمة المقيم في قاف. ادّعى هؤلاء أن كل ذِكر للحكاية كما جرت وقائعها، خنجر يطعن الفتاة التي كانت كعادة أميرات «الليالي» جميلة كالبدر لا يرتوي منها البصر، من ينظر إليها نظرة؛ تورثه ألف حسرة.

الصفحات