كتاب " جبل الزمرد " ، تأليف منصورة عز الدين ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب جبل الزمرد
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

جبل الزمرد
لطالما وقف جبل المغناطيس بالمرصاد للرحّالة والمغامرين. كان مغناطيسه الأسود يجذب مسامير وحديد السفن، فتنفصل عن خشبها وتتطاير في الهواء منجذبة نحوه، لتتحطم السفن ويغرق ركابها. قد ينجح نفر منهم في السباحة وتسلق دَرَج الجبل نحو الأعلى حيث طيور الرخ بالغة الضخامة، ومن هناك ينظرون للأسفل فتميد بهم الأرض وهم يتأملون الطريق الذي قطعوه صعودًا.
فوق قمة المغناطيس يقتم اللون الأسود ويتمدد كأنما يغطي الكون، أسود حالك يخطف البصر ويجبر ناظره على التحديق فيه كالواقع تحت تأثير سحر لا شفاء منه، يعود لا يبصر زرقة السماء ولا زرقة البحر المستعارة منها، تتلاشى خضرة الأشجار وأبيض السحب ودُكنة الغيم.
ليس على المسحور بمغناطيس اللون أن يبتئس، لأن هذا السحر أخف من آخر أشد ضراوة، إذ ثمة أحجار برّاقة من فضة شاهقة البياض تتناثر بين المغناطيس الأسود، وإذا كان هو يمغنط المعادن، فالأحجار الفضية تمغنط أجساد البشر، بحيث إذا نظروا إليها تتلألأ؛ لا يقوون على الابتعاد عنها، وتأخذهم أقدامهم رغمًا عنهم نحوها ليلتصقوا بها غارقين في ضحك بلا نهاية يقودهم إلى أعماق الجنون. جنون الفضة هذا يختلف عن غيره من أنواع الخبَال في اقترانه بالضحك ليصبح مسًّا ضاحكًا ينتهي بالموت».
لم تحكِ نورسين أحلامها لأحد، كما لم تأت أبدًا على ذِكر العملاق الذي صارت ترى فيه رفيق درب، لا تدري إلامَ سينتهي بها. مع الوقت أخذت الأحلام تتضح أكثر، فسَّرتها بأن الرجل هو من سيعيدها إلى بيت أبيها، ثم بدأ يسكنها هوس جديد؛ هَوَس جبل المغناطيس بأحجاره الفضية. صارت تخايلها في الحلم، فتصحو غير قادرة على التفكير في سواها. تساءلت أيمكن أن تكون قد تمغنطت عن بعد؟ خافت من الجنون، وإن لم تستطع، بل لم ترغب في مقاومته.
في حلم كاشف رأت نفسها على أطراف جبل الزمرد، تحديدًا أمام الجميزة المعمرة المسكونة بملكة الحيّات، انتظرت طويلًا قبل أن تسمع صوتًا منبعثًا من التجويف في جذع الشجرة يبشّرها بقرب تحقيق مرادها.
عندما اختفت نورسين، كانت زمردة في عامها الخامس عشر. استماتت كي يكشف لها والدها سر اختفاء أمها، لكن كلماته القليلة كانت تلف الحدث بطيّات إضافية من الإبهام. بات اسم الملكة نورسين محرَّمًا على الألسن فوق قاف، ومع هذا حمل الهواء لابنتها همسات تربط رحيلها بملكة الحيّات وجبل المغناطيس، فقد تناقلت الوصيفات أن آخر مكان شوهدت فيه ملكتهم كان مقر الحيَّة الحارسة.
في العام نفسه، ولإخراج زمردة من أحزانها، أخذها أبوها إلى عش العنقاء لأول مرة، مرّنها على ركوبها وترويضها، وأخبرها أنها ستكون وسيلتها للتعرف على العالم والسفر فيه ما إن تبلغ الحادية والعشرين، حذّرها بشدة من خرق الناموس المقدس والمغادرة قبلها.
عاهدته على الطاعة، وفي ذهنها أن جبل المغناطيس سيكون وجهتها الأولى، ما إن يُسمَح لها بالسفر. ستطأ أرضه مهما كانت المخاطر. في أحلام يقظتها كان طيف أمها يخايلها متجولًا بين شعابه ومنحدراته. لطالما حلمت زمردة أن تجوب العالم على متن العنقاء، ثم تحوّل حلمها إلى هاجس مُمِضّ إثر تبخُّر أمها.
بدا لها عمر الحادية والعشرين بعيدًا، أرادت التعجيل بهذه الخطوة، لتيقنها من أنها كلما سارعت، كلما زادت فرصتها في العثور على أمها. كانت تؤمن بأنها ضاعت في غياهب جبل المغناطيس، بسبب لؤم ملكة الحيّات؛ حارسة قاف وضامنة عزلته.
حين كاشفت كبير الحكماء برغبتها في التخلص من الحية العملاقة بحجة أنها تمنع سكان الجبل من مغادرته، فاجأها فزعه. أخبرها أنها تحميه، وتحفظه من خطر التبدد والزوال، ولم تؤذ أي كائن من قبل، فقط تلتف على هيكل الجبل كأم حنون، ثم تلجأ إلى كهفها الخاص في فترة البيات الشتوي. أضاف أن عزلة قاف قدرية ولا دخل لمخلوق فيها. سايرته الأميرة وصمتت، ظن أنها نسيت الأمر لأنها لم تعاود الحديث عنه. في تلك اللحظة السحيقة كانت قد بدأت، دون أن تدري، درب الاحتراق.

