أنت هنا

قراءة كتاب جبل الزمرد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
جبل الزمرد

جبل الزمرد

كتاب " جبل الزمرد " ، تأليف منصورة عز الدين ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 4

بالَغَ بعضهم مؤكدًا أن كل كلمة ينشدها راوٍ للّيالي تهبط بالأميرة، ذات الابتسامة العذبة والخد الأسيل، درجة في غياهب الجحيم.

روى العارفون بخبايا «ألف ليلة» ومفسِّروها الأوائل أن طرد حكاية ابنة ملك الجبال من جنة الكتاب الأشهر، كان قَدَرًا لا فكاك منه، ومع ذلك كان قدرًا جالبًا للّعنة. لعنة «الليالي» كما أطلقوا عليها، ذلك الكتاب القاتل، الملعون، الضّاج بصرخات آلاف الممسوخين والملعونين وشياطين الإنس والجن، المثقل بالتعاويذ والتمائم الشريرة وكافة أشكال السحر الأسود.

مثلما تآمرت بقية حكايات «الليالي» على هذه الحكاية وطردتها من الكتاب، كان للحكاية انتقامها الأسود، كون والد زمردة، وكان ساحرًا لا يُبارَى، قد وضع لعنة تصيب كل من يقترب من ابنته المدلَّلة بسوء، سواء في حياتها أم بعد مماتها. وهذا ما كان. ردّت الحكاية الحاملة لروح الأميرة المعذَّبة الانتقام، ولعنت الكتاب كله. صار مطارَدًا منبوذًا في ثقافته الأم، من يقرأه كاملًا يموت مع انتهائه من آخر كلمة فيه.

وحدهم النُسّاك والمتصوفة المتحدرون من جبل قاف، والذين تاهوا - إثر تلاشيه - هم ونسلهم في بقاع الأرض المختلفة، هؤلاء الذين ابتعدوا عن إغراءات الحياة، واختاروا، بعد عقود من التيه، الاستقرار في الجبال والمرتفعات طلبًا للسكينة، وحدهم من حملوا عبء رد الحكاية لأصلها، ومن ثم إعادتها لـ»الليالي».

فعلوا هذا اتقاءً لشرّ اللعنة المحدِقة بمن ينكرها، وأملًا في استعادة وطن أسلافهم الموغل في القدم، وحبًا في الحكاية التي رأوا أن لا حكاية أخرى تدانيها جمالًا، لا في كتاب «الليالي»، ولا في «المهابهارتا»، ولا في «الشاهنامة»، ولا في أي كتاب وضعه الأوَّلون.

كانوا واثقين من أنها الحكاية المفضَّلة لشهرزاد من بين كل حكاياتها الآسرة. وأنها التميمة السحرية التي حمتها من بطش شهريار.

كتب النُسّاك في مدوناتهم السرية المحفوظة في كهوف الجبال أن «شهريار» نفسه وقع في هوى الحكاية وبطلتها، وأنه كان يخطئ، أحيانًا، وينادي «شهرزاد» باسم زمردة. لم تكن تغضب لذلك، بل تبتسم بلطف، وتتمنى لو كانت بالفعل ابنة الملك ياقوت، مليكة جبل الزمرد وحاميته.

لكم حلمت شهرزاد بأن تكون هي تلك الأميرة الأجمل من منار السنا، المرأة ذات الريش؛ ابنة ملك الجان في حكاية حسن البصري، والأكثر علمًا من الجارية تودّد والأميرة نزهة الزمان معًا، والأشجع من إبريزة ابنة ملك الروم في حكاية عمر النعمان وابنه الأمير شركان.

في حكاية «جبل الزمرد»، كان حضور زمردة الآسر يلوّن الفضاء بلطفه وذكائه وجرأته. لم تعرف شهرزاد أن خبر زمردة، كما وصلها وكما حكته لشهريار، لم يكن إلاّ تحريفًا مشئومًا لقصة حياة أميرة واقعية عاشت ذات يوم فوق جبل قاف السحري، حياة تلاشت ولم تخلِّف وراءها سوى حكاية خضعت لتحريف مستمر، وتنتظر من يخلّصها مما علق بها من آثار التشويه ويُحيي ما مات من أجزائها، أو أُغرق في ضباب النسيان.

مع الوقت، بدأ النُسَّاك المتحدّرون من قاف في التناقص. حتى عقود مضت لم يكن قد تبقَّى منهم إلاّ سبعة: ناسك في كهف سرّي في جبل قاسيّون بدمشق، وآخر في جبال زاجروس، وثالث في جبال الأطلس، ورابع في جبل «سانت كاترين»، وخامس يعيش في الهيمالايا، وسادس عند قمة جبل دماوند في إيران، وسابع على مقربة من أطلال قلعة «آلموت» بجبال الـ»ديلم»، وكل ناسك منهم يحرص على أن يختار بعناية، قبل وفاته، ناسكًا آخر، ليحمِّله عبء الحكاية.

كان الواحد منهم يعرف كل شيء عن الآخرين من دون تواصل فعلي بينهم. عاشوا مع مريديهم القليلين منتظرين انبعاث أميرتهم الغائبة، لكن سرعان ما قلّ عددهم، إذ مات خمسة منهم بلا وريث مؤتمن على السر، وغادر السادس جبل دماوند مع طفله الوحيد لتنقطع أخباره عن ناسك جبال الديلم، والذي كان يعتبر الأكثر دراية بسيرة ابنة الملك ياقوت، خاصةً أن بحوزته مخطوطًا نادرًا يحوي علامات وإشارات - معظمها ملغز – تقود، في حالة النجاح في فك شِفراتها، للناقص من تفاصيل «جبل الزمرد»، وتساعد على عودة بطلتها. كان مقتنعًا أنني، أنا ابنته الوحيدة، بستان البحر أو «بوستان دَريا»- كما اعتاد مناداتي- من سينجز هذه المهمة العصية على الإنجاز منذ قرون.

ذكرت النبوءات، المكتوبة على هيئة ألغاز وأشعار غامضة، أن الكاهنة المنتظرة ستبعث زمردة من رماد احتراقها، عبر تنقية حكايتها مما أصابها من تحريف وإعادتها إلى متن «ألف ليلة»، ولحظتها سوف يتجسَّد قاف من جديد وتبطل لعنته، فيرجع إليه أهله بعد قرون من التيه.

كان ناسك جبال الديلم مؤمنًا بإخلاص بالقوى السحرية للكلمات. بكلمة واحدة تنهار ممالك وإمبراطوريات، وبنسْج حرف بجوار الآخر تنتهي حيوات، ووحدها زمردة ستسير بمهارة، مغمضة العينين، بين حقول ألغام الكلمات، عارفةً خيرها من شرها. كم ابتهل كي يشهد عودة الأميرة، كان سيعرف بها في حال تساقط مطر من زمرد؛ حبّات خضراء لا يراها إلاّ المؤمنون بحقيقة قاف. مَن عداهم سيرونها كأي مطر آخر.

الصفحات