أنت هنا

قراءة كتاب سحر الواقع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سحر الواقع

سحر الواقع

كتاب سحر الواقع، لكاتبه ريتشارد دوكينز، والذي ترجمه للعربية المترجم عدنان علي الشهاوي، الواقع هو كل ما له وجود، ويتحقق على الدوام، أليس كذلك؟ لكن الأمر ليس كذلك، هناك مشاكل عديدة.

تقييمك:
2
Average: 2 (2 votes)
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 4

ما رأيك في محقق شرطة استغرب من جريمة قتل، وكان على درجة من الكسل حتى من محاولة العمل على حل المشكلة وبدلا من ذلك قلّل من غموض الواقعة وسجلها باعتبارها «عملا خارقا»؟ يبيّن لنا التاريخ الإجمالي للعلم أنه إذا ما خضعت الأشياء لفكرة أنها نتيجة للخوارق ـ تتسبب فيها الآلهة (سواء السعيدة أو الغاضبة)، الشياطين، الساحرات، الأرواح، اللعنات والتعاويذ ـ بالفعل من غير التفسيرات الطبيعية لم نكن لنستطيع فهمها واختبارها والوثوق فيها. لا يوجد سبب على الإطلاق للاعتقاد بأننا سنكتشف أصلا خارقًا للمألوف في تلك الأشياء التي لم يتوصل العلم حتى الآن لتفسيرات طبيعية لها، وليس هناك ما يعادل البراكين أو الزلازل أو الأمراض إذ يعزْوها إلى الآلهة الغاضبة، كما كان الناس يعتقدون في الماضي.
بطبيعة الحال، لا أحد يعتقد حقا بأنه من المحتمل تحويل ضفدع إلى أمير (أم هل كان أميراً ثم انقلب إلى ضفدع؟ أنا لا أتذكر) أو تحويل ثمرة قرع العسل إلى عربة تجرّها الجياد، هل حدث لك قط أن توقفت عن اعتبار سبب أشياء كهذه أمرا مستحيلا؟ ثمة وسائل عديدة لتعليل ذلك. وفيما يلي التفسير الذي أفضّله.
الضفادع والعربات التي تجرها جياد أشياء معقدة، فيها أجزاء كثيرة تحتاج طرقًا معينة لتركيبها معًا، في نموذج خاص لا يمكن له أن يحدث بالمصادفة (أو عن طريق حركة موحية من عصا ساحر). ذلك هو ما تعنيه كلمة «معقدة». فمن الصعوبة بمكان عمل شيء معقد مثل ضفدع أو عربة تجرها جياد. ولصناعة عربة نحتاج إلى تركيب كل الأجزاء معا بالطريقة الملائمة تماما. نحتاج لمهارة نجّار وغيره من الصُنّاع المَهَرة. ولا تتكون العربات بمحض المصادفة أو بفرقعة أصابعك قائلا: «أبرا كادابرا». فللعربة بناء، تعقيد، أجزاء للتشغيل: عجلات ومحاور، نوافذ وأبواب، ومقاعد ذات وسائد.
سيكون من اليسير نسبيّا تحويل شيء معقَّد مثل عربة إلى شيء آخر بسيط مثل رماد، مثلا: عصا ساحرة طيبة من الجان تحتاج فقط لموقد لحام مركَّب بداخلها. فمن اليسير غالبا تحويل أي شيء إلى رماد. لكن لا يستطيع أي شخص أن يأخذ كومة من الرماد ـ أو ثمرة قرع العسل ـ ويحوِّلها إلى عربة، لأن العربة على درجة عالية من التعقيد، وليست معقدة فقط، بل إنها معقدة في اتجاه الاستخدام المفيد، في هذه الحالة تصبح مفيدة كي يستخدمها الناس في السفر.
دعونا نيسِّر الأمر قليلا على ساحرة طيبة من الجان بافتراض أنه بدلا من النداء على ثمرة قرع العسل ستنادي على جميع الأجزاء اللازمة لتجميع عربة، كلِّها مختلطة معاً في صندوق: كأنها نوع من عدة أيكيا(**) لعربة. تتكون العدة اللازمة لتصنيع عربة من مئات القطع الخشبية، ألواح زجاج، قضبان وسيقان حديدية، حشوات التبطين وقطع من الجلد، بالإضافة إلى مسامير عادية، وبراغي وزجاجات غراء للصق الأجزاء معا.
والآن لنفرض أنه، بدلا من قراءة التعليمات وتوصيل الأجزاء بتتابع منتظم، وضعت كل القطع في حقيبة كبيرة هائلة الحجم وقامت برجّها. ما فرص التصاق الأجزاء ببعضها بعضًا على نحو مناسب لتجميع عربة قادرة على العمل؟ الإجابة هي صفر بالتأكيد. ومن ضمن أسباب ذلك العدد الكبير للوسائل المحتملة التي يمكنك بها تجميع خليط من القطع والأجزاء الذي لن يسفر عن عربة قادرة على العمل، أو أي شيء يعمل.
إذا أنت أخذت بعض الأجزاء وقمت برجّها عشوائيا، قد يتصادف أن تسفر عن شكل مفيد، أو قد تتعرف منها على شيء ما خاص. لكن عدد احتمالات حدوث هذا ضئيل، إنّه حقا ضئيل جدًّا مقابل عدد احتمالات تشكّل نموذج لا نتعرف فيه على أي شيء أكثر من كونه كومةَ مخلفّات. ثمة ملايين من طرق خلط وإعادة الخلط لكومة من القطع والأجزاء: ملايين الطرق لتحويلها إلى كومة أخرى من القطع والأجزاء. وفي كل مرة تخلطها، تحصل على كومة وحيدة من النفايات لم تسبق مشاهدتها قط، لكن فقط أقلية ضئيلة من تلك الملايين من الأكوام المحتملة ستشكل شيئا ما مفيدا (مثل أن تأخذك إلى هدفك) أو ستكون مميزة أو شيء له قيمة بأية حال.
أحيانا نستطيع حرفيا إحصاء عدد الطرق التي تتيح لنا خلط سلسلة من القطع ـ كما في حال مجموعة من أوراق اللعب (الكوتشينة)، مثلا، بحيث تكون «القطع» هي أوراق كلَّ فرد (لاعب).
لنفترض أن الموزع خلط الأوراق ووزّعها على أربعة لاعبين، بحيث يحصل كل لاعب على 13 ورقة. قمت بترتيب ما في يدي وتنفست بصعوبة. مندهشاً. لديّ 13 ورقة بستوني! كلُّ أوراق البستوني.
شدة المفاجأة تعوّقني عن الاستمرار في اللعب، وأعرض ما بيدي على اللاعبين الثلاثة الآخرين، وأنا أُدرك أنهم سيشاطرونني نفس القدر من الدهشة.
لكن حينئذ، مرة بعد أخرى، يضع كل واحد من اللاعبين الآخرين، أوراقه على الطاولة وتتتابع صيحات الدهشة من كلٍّ منهم. لدى كلُّ واحد مجموعة «كاملة» في يده: أحدهم لديه 13 ورقة قلب أحمر، وآخر 13 ورقة ديناري، والأخير 13 ورقة سباتي.
هل هذا يُعدُّ سحرا خارقا للعادة؟ قد نقع في غواية هذا التفكير. يستطيع المتخصصون في الرياضيات حساب فرص مثل هذا التوزيع الاستثنائي الذي قد يحدث بالمصادفة البحتة. ويتضح أنها إمكانية ضئيلة شبه مستحيلة تصل إلى 1 لكل 53,644,737,765,488,792,839,273,440.000 حالة. فإذا جلست لتلعب الورق طوال تريليون سنة (ألف ألف مليون)، لا تكون لديك إلا فرصة واحدة لتصل إلى توزيع تام على هذا النحو. لكن ـ وهنا المسألة ـ هذا التوزيع لن يكون أكثر احتمالا من أي توزيع آخر للأوراق يمكن حدوثه على الإطلاق! حيث لا تكون لدينا سوى فرصة واحدة لأي توزيع آخر لعدد 52 ورقة من بين الرقم المهول السابق، نظرا لأن هذا هو العدد الإجمالي لكل التوزيعات المحتملة. وذلك فقط لأننا لا نلاحظ أي شكل خاص في الأغلبية الساحقة للتوزيعات التي تتم، لذلك فإنها لا تصدمنا مثل أي أمر آخر خارج عن المعتاد. نحن فقط نلاحظ التوزيعات التي تأتي مميزة على نحو ما.
هناك بلايين الأشياء التي يمكنك تحويل أمير إليها، إذا كنت على قدر من الوحشية بما يكفي لإعادة ترتيب أجزائه إلى بلايين التوافقات عشوائيّا. غير أن معظم تلك التوافقات ستبدو كأنها نوع من الفوضى، مثل تلك البلايين عديمة المعنى العشوائية لأوراق اللعب في اليد التي تمّ توزيعها. فقط عدد ضئيل من تلك التوافقات المحتملة من أجزاء أمير مختلطة عشوائيّا قد تغدو مميزة أو مناسبة لأي شيء على الإطلاق، باستثناء أن تكون ضفدعاً.
الأمراء لا يتحوّلون إلى ضفادع، ولا ثمار قرع العسل تتحوّل إلى عربات تجرّها خيول، لأن العربات والضفادع أشياء معقدة يمكن لأجزائها أن تتوافق غالبًا لعدد لا نهائي من أكوام النفايات. وما نعلمه حتى الآن، باعتباره حقيقة، أن كل ما هو حي ـ كل إنسان، كل تمساح، كل شحرور، كل شجرة وحتى كل كرنب بروكسل Brussels Sprout(***) قد يتطور من أشياء أخرى، أساسا من أشكال أبسط. وبالتالي أليس ذلك مجرد نوع من المصادفة، أو نوعًا من السحر؟ كلّا! ليس كذلك على الإطلاق! هذا سوء فهم شائع للغاية، لذلك أريد أن أوضح من الآن فصاعدا أن ما نراه في الحقيقة ليس نتيجة للمصادفة أو الحظ أو أيًّ من أعمال «السحر» التي تتم عن بعْد (فيما عدا، بطبيعة الحال، الحس الشاعري المرهف لشيء ما يملؤنا بالرهبة أو البهجة).

الصفحات