أنت هنا

قراءة كتاب المحاورات السردية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
المحاورات السردية

المحاورات السردية

في كتاب "المحاورات السردية" للكاتب والباحث العراقي د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 10
وبعد الوصول إلى هذا الحلّ انحسرت المشكلة الفكرية بالانقسام على النفس، وأشعر الآن أنني أكثر انسجاما بكثير مما كنت عليه من قبل، فلم أعد فقط أبحث في هذين المكونين المترابطين، وهما السرد والمركزيات الثقافية، إنما أعدت النظر بكتبي التي كتبتها قبل أن أكتشف هذه الصلة· وهكذا، ومن هذه الناحية، لك أن تقول بأن لدي مشروعا فكريا بالمعنى الذي يحيل على الانصراف الطويل لمعالجة قضايا مترابطة· لكنني أتردد قبل أن آخذ بهذا الوصف كي لا أعتقد أنني صاحب دور لتغيير شيء، فهذا ما لا أدعيه، إذ نقدت دور المثقف المتوهم بأن له دورا نبويا، فأنا أحلل، وأفكك أنظمة ثقافية وأدبية ودينية واجتماعية، وأتطلع إلى أن أغير مسار التلقّي لهذه الاتجاهات ما استطعت إلى ذلك· ولكن هذا لا يعني أنني منذور شخصيا، ودون سواي، لتغييرها· ومكلّف بذلك، ولطالما حذرت من هذه النظرة النبوية للتاريخ التي يأخذ بها كثير من المفكرين·
 
- أشعر كما لو أن لديك احتجاجا على مثل هذه الحتميات التي حصلت· أي على الانغلاق داخل كل مركزية من المركزيات، وكأنك تدعو إلى حوار، أو إلى تعددية·
 
- لا أدعو فقط إلى حوار بين المركزيات الثقافية، وإنما أدعو إلى تفكيكها، وتخريبها وأذهب في هذا الأمر مذهب المفكر الإيراني داريوش شايغان الذي أصدر كتابا بعنوان هوية بأربعين وجها ومؤدى الفكرة أن الإنسان لم يعد يكتفي بهوية، أو بعقيدة، أو بفكرة· إنه يحتاج الآن إلى أربعين هوية لكي يتفاعل بها مع عالم متعدد الهويات· لا يمكن القول الآن إنني أنتمي انتماء أعمى، أو أرتبط ارتباطا مطلقا بهذه العقيدة الفكرية أو الإيديولوجية أو حتى الدينية أو بتلك، لا بد من فتح النوافذ برأيي بين الثقافات والحضارات والأديان· وهذا هو الذي يجعلني اقترح باستمرار أمر تهشيم الأسوار الدوغمائية التي تحول بيننا كنوع بشري نتفق في النوع، ولكن لدينا اختلافات في الدرجة· الاختلاف في الدرجة ينبغي ألا يجعلنا نحبس في أطر ضيقة ومغلقة وننتج نوعا من التعصب للأديان والهويات والأعراق، كما يحصل الآن حيث أصبح العالم رهينة تفسيرات مغلقة للظاهرة الدينية أو الظاهرة العرقية أو الظاهرة الطائفية أو المذهبية·
 
على الفكر العقلاني أن يتصدى بصرامة لشيوع هذه التفسيرات المغلقة للظاهرة الدينية، أو الظاهرة العرقية حيث الإنسان لم يعد ينتمي إلى عرق ودين، وإنما ينتمي إلى تفسير مخصوص لعرق ودين· نحن الآن ضحايا التفسيرات، أكثر مما نحن ضحايا العقائد· وعلى الفكر العقلاني أن يقف بصرامة لتحليل هذه الظواهر لأنها ظواهر مختلقة وقائمة على أسس ضيقة ونظرات مغلقة تبحث عن صفاء في الهوية، وصفاء في الانتماء· وهذا يحول دون فتح المسارات بين الشعوب، والمجتمعات، والثقافات، بل إنه يكرس تفسيرا مطلقا للتاريخ· ومن ضمنها فكرة النهايات التي كانت تأخذ الطابع الدوري في الأساطير القديمة، وفي الأديان، وبدأ إنتاجها ثانية من خلال الأيديولوجيات الكبرى كالماركسية التي تقول بنهاية التاريخ ضمن عالم ينتهي فيه الصراع الطبقي· هذه الرواية انتهت الآن وانهارت· لكن ظهرت أيضا فكرة نهاية التاريخ عند فوكوياما الذي قرر أن التاريخ ينتهي أيضا حينما يعم العالم نظام الليبرالية الغربية الرأسمالية، ولو جرى فحص هذه المقولة فحصًا نقديا، فلا تختلف عن الماركسية، أو أية أيديولوجية دينية، حيث هناك الفكرة الأخروية التي ينتهي إليها البشر جميعا·
 
هذا الأمر ليس خاصا بي وحدي، فهناك عدد كبير من المفكرين النقديين الذين يعرفون حق المعرفة أن الإنسانية في تطور خطي وليس في تطور دائري، وإن العودة الى التاريخ الدوري، أو النهايات، مجرد وهم أيديولوجي أو نفسي أو ديني، وهو لا يصمد أمام حركة التاريخ الصاعدة التي انطلقت بالبشرية من نقطة واستمرت في تصاعد· والظواهر المعرقلة كالحروب، والأيديولوجيات المتعصبة، والكوارث الطبيعية، لن توقف المسار الصاعد للإنسانية على الإطلاق· وهذا المسار لا نهائي· لن ينتهي· إنه مسار صاعد عبر التاريخ وهو عابر للأزمنة ولكنه ينبغي أن يكون متنوع المسارات، والمشارب، والثقافات، تسهم به سائر الجماعات البشرية دون غلبة ولا هيمنة، وبعيدا عن مديونية أحد لأحد·
 
- أود أن تلقي نظرة ناقدة على المركزية الإسلامية· إلا ترى أنه كانت هناك انفراجات في هذه المركزية؟ كانت هناك تيارات محافظة وتقليدية فيها كما كانت هناك تيارات اجتهاد وتأويل· على الدوام كان هناك نزوع للخروج من الأطر العامة أو المرسومة·
 
- نعم· هذا صحيح، كل هيكل عام لثقافة أو حضارة يتضمن ما ينقضه، ففي طيات الفرضيات الكبرى تنمو بذور نقضها· وهذا يتجلى الآن فيما يسمى بالمركزية الغربية أكثر ما يمكن تجليه، ذلك أن الغرب ليس بإطلاق كتلة صماء جامدة متمركزة حول نفسها· هناك شيء داخلي· نجد شوبنهاور، نجد نيتشه، نجد هابرماس، نجد ميشيل فوكو، نجد جاك دريدا، هؤلاء وسواهم حاولوا نقض فرضيات المركزية الغربية· لكن أنا أتكلم عن الهياكل الكبرى بحيث تتبدد الأعراف والمواقف والتحليلات الشخصية من النظام· ولو انتقلت بهذه الفكرة إلى سؤالك حول المركزية الإسلامية، فينبغي تعريف المركزية الإسلامية؟· إذ هي، فيما أرى، ذلك الشعور العقائدي المهيمن في دار الإسلام والمنطلق من الفرضية القائلة بأن كل ما يوجد داخل دار الإسلام هو حق مكتمل، فهذه دار حق مطلق ينبغي أن يشعّ على العالم· وكل ما يوجد خارج دار الإسلام فهو باطل باطلاق· العالم، طبقا للمركزية الإسلامية، منقسم إلى قسمين: حق وباطل· وما دام المسلمون هم حاملي الحق، فينبغي عليهم إيصاله إلى دار الباطل· في الدين لا تكتمل الرسالة بوجود ناس ما زالوا على ضلال، ولهذا فإن المؤمن يحمل رسالة إصلاح العالم، لكي يعيد التئام شمله في وحدة دينية وأخلاقية وقيمية· لكن من ناحية واقعية لا يمكن أن تعمم عقيدة على العالم بأجمعه· حركة الواقع تفرض الثنائية· لكن الإيمان الديني يهدف إلى الوحدة فيحصل نوع من التنازع لا ينتهي، وهذا عاشته المسيحية واليهودية والإسلام·

الصفحات