كتاب " السرد والاعتراف والهوية " ، تأليف د. عبد الله إبراهيم ، والذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب السرد والاعتراف والهوية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

السرد والاعتراف والهوية
ثمّ يستطرد موضّحًا يشيع افتراض غريب وعارٍ عن الصحّة تماما، بأنّ المنفيّ قد انقطعت صلته كلّيّة بموطنه الأصليّ، فهو معزول عنه، منفصل منبتّ الروابط إلى الأبد به· ألا ليتَ أنّ هذا الانفصال الجراحيّ الكامل كان صحيحًا، إذن لاستطعتَ عندها على الأقلّ أن تجد السلوى في التيقّن من أنّ ما خلّفته وراء ظهرك عاد لا يشغل بالك، وأنّه من المحال عليك أن تستعيده أبدًا· ولكنّ الواقع يقول بغير ذلك؛ إذ لا تقتصر الصعوبة التي يواجهها المنفيّ على كونه قد أُرغم على العيش خارج وطنه، بل إنّها تعني - نظرًا لما أصبح العالم عليه الآن- أن يعيش مع كلّ ما يُذكّره بأنّه منفيّ، إلى جانب الإحساس بأنّ الوطن ليس بالغ البعد عنه، كما أنّ المسيرة الطبيعيّة أو المعتادة للحياة اليوميّة المعاصرة تعني أن يظلّ على صلة دائمة موعودة ولا تتحقّق أبدًا بموطنه· وهكذا فإنّ المنفيّ يقع في منطقة وسطى، فلا هو يمثّل تواؤمًا كاملاً مع المكان الجديد، ولا هو تحررّ تمامًا من القديم، فهو محاط بأنصاف مُشاركة وأنصاف انفصال، ويمثّل على مستوى معيّن ذلك الحنين إلى الوطن وما يرتبط به من مشاعر، وعلى مستوى آخر قدرة المنفيّ الفائقة على محاكاة من يعيش معهم الآن، أو إحساسه الدفين بأنّه منبوذ، ومن ثمّ يصبح واجبه الرئيسيّ إحكام مهارات البقاء والتعايش هنا، مع الحرص الدائم على تجنّب خطر الإحساس بأنّه حقق درجة أكبر ممّا ينبغي من الراحة والأمان(5)·
توقّف إدوارد سعيد كثيرًا على هذا الموضوع في سعي لا يخفى من أجل تعميق الإحساس بفكرة المنفى، يُجبِر المنفَى المرء على التفكير فيه، ويا لها من تجربة فظيعة· إنّه الشرخ المفروض الذي لا التئام له بين كائن بشريّ ومكانه الأصليّ، بين الذات وموطنها الحقيقيّ: فلا يمكن أبدًا التغلّب على ما يولّده من شجن أساسيّ··· فمآثر المنفَى لا يني يقوّضها فقدان شيء ما خلّفه المرء وراءه إلى الأبد(6)·
أفرزت هذه الحال مدوّنة ضخمة من الكتابة الشعريّة والسرديّة تعرف بـأدب المنفَى وهي سجلّ متنوّع أسهم فيه عدد كبير من الكتّاب المنفيّين الذي استلهموا تجاربهم، وجعلوا منها خلفيّات لعوالم افتراضيّة أفضوا بحنينهم إليها، ورغبوا في أن تكون المكافئ المتخيّل لإحساسهم بالفقدان والغياب· وقد أجمل فخري صالح ما تفرّق عن المنفى وأدبه في دراسته مفهوم أدب المنفَى، فبيّن دلالة المنفى وموقع المنفيّين في الجغرافيا الثقافيّة المتزحزحة بين المراكز والأطراف، فمفهوم المنفى ذو طبيعة معقّدة؛ لأنّه مفروض ومرغوب فيه، يجري السعي إليه وتفضيل الإقامة فيه، وكذلك ذمّه بوصفه حالة من الإبعاد والاغتراب اللذين يُدفع المرء إليهما، أو يُجبر على عناقهما·
ثمّ انتقل إلى تقصّي طبيعة الأدب الذي يفرزه المنفَى، مؤكّدًا أنّه من الصعب أن نرسم شبكة لمعنى المنفَى وأدب المنفَى، ضمن هذه الظروف المعقّدة من عمليّات النزوح والشتات والاغتراب والاقتلاع والتشريد والنفي والرحيل الطوعيّ أو الهجرة بحثًا عن الحرّيّة، أو الرغبة في تحسين الأوضاع المعيشيّة؛ فبينما كان الارتحال فرديًّا في العصور السابقة، أو إنّه يتضمّن جماعات صغيرة، صار هناك مجتمعات شتات كاملة تبتعد طوعًا أو كرهًا عن أوطانها الأصليّة· وبعض مجتمعات الشتات هذه أجبرت لا على ترك أوطانها فقط، بل على التخلّي عن لغتها الأمّ، وثقافاتها الأصليّة لتصبح جزءًا مُزاحًا من المجتمعات والثقافات الجديدة، مثل الأفارقة الذين يعيشون في فرنسا، والهنود والباكستانيّين الذين يعيشون في بريطانيّا·
وهؤلاء ينتجون آدابًا مهجّنة، لكنّهم يتّخذون من الفرنسيّة والإنجليزيّة لغة يعبّرون بها عن أنفسهم، بكلّ ما يتضمّنه ذلك من مصاعب في التعبير عن الذات وانشقاقات في الهُويّة· وعلى هذه الخلفيّة المركّبة من أوضاع الجماعات النازحة والأفراد المقتلعين، يرى فرانز فانون أنّ المنفَى انسحاب نرجسيّ من العالم إلى شرنقة الذات وبهذا المعنى يستخدم فانون المنفى استخدامًا مجازيًّا في تحليله لعبء الاستعمار وضغطه على الذات المستعمَرة، حيث يتلوّن تعريفه ليدخل في تعريف الهُويّة المنشقّة والذات المشروخة، لأسباب تتّصل بالتجربة الاستعماريّة للشعوب المستعمَرة في القرون الثلاثة الأخيرة·
إنّ المنفى عرض نفسيّ من وجهة نظر فانون، وهُويّة مكتسبة تقيم على حدود الثقافات، وتعلّم الذات والآخر كيفيّة النظر إلى تداخل الثقافات وتجارب البشر، من وجهة نظر إدوارد سعيد، وهو الشيء نفسه الذي فعله هومي بابا حين شدّد على أهميّة المجاز في تجربة المنفى؛ حيث يرى أنّ عددًا كبيرًا من الشعوب الحديثة بدأ رحلته في تكوين القوميّات خلال القرن التاسع عشر، وهو القرن نفسه الذي بلغ فيه الاستعمار الأوروبيّ ذروته· لقد سعى الغرب إلى الامتداد نحو الشرق، كما نشطت حركة الهجرة باتجاه الغرب، ممّا ملأ الفراغ الذي تركه غياب الأوطان بلغة المجاز· وإلى كلّ ذلك يميّز جان محمّد بين المهاجر والمنفيّ، ففي الوقت الذي يقوم فيه كلّ من المنفيّ والمهاجر بعبور الحدود بين مجموعة قوميّة أو اجتماعيّة وأخرى، فإنّ موقف المنفيّ من الثقافة المُضيِّفة سلبيّ، فيما يتّخذ المهاجر من تلك الثقافة موقفًا إيجابيًّا·
تشدّد فكرة المنفَى دومًا على غياب الوطن وعلى النسيج الثقافيّ الذي شكّل الذات الفرديّة؛ ومن ثَمّ فإنّها تتضمّن تمزّقًا لا إراديّا أو مفروضًا، للعلاقة بين الذات الجمعيّة للثقافة الأصليّة والذات الفرديّة· إنّ النوستالجيا الخاصّة بالمنفى تدفع الفرد في العادة لكي يكون غير مبالٍ بالقيم والخصائص المتعلقة بالثقافة المُضيِّفة؛ إنّ المنفيّ يختار إذا كان بمقدوره أن يختار، أن يعيش في سياق غير مرحّب، سياق يشبه الوطن
وخضع مفهوم أدب المنفَى خلال الربع الأخير من القرن العشرين لتحوّلات وتعديلات عديدة، حيث غادر معناه اللغويّ، الذي جعل منه دالاًّ على أدب الغربة والهجرة والاقتلاع والنفي والتشرد، فأصبح تجربة مجازيّة تدلّ على النظر بعيون جديدة إلى العالم وتجارب البشر وتفاعل الثقافات ومفهوم الحرّيّة والرؤية غير المتحيّزة والابتعاد عن مفهوم الهُويّة المغلقة، وطرح مفاهيم مثل الأصل والقوميّة والآداب الوطنيّة على بساط البحث مجدّدًا·
ودخل المفهوم من خلال عدد من المنظّرين ونقاد الأدب بوّابة النظريّة الأدبيّة، ليصبح من بين المفاهيم الأساسيّة التي تشكّل ما يسمى آداب ما بعد الاستعمار، بوصف تجربة المنفى عنصرًا مشكّلاً للهُويّة الخاصّة بكلّ من المستعمِر والمستعمَر؛ فالرحلة باتجاهات متعاكسة جزء لا يتجزّأ من تجربة الغزو الاستعماريّ الحديثة· وهو ما جعل مفهوم أدب المنفى يُبحث في كلا الاتّجاهين: شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالاً· وبهذا المعنى يمكن القول إنّ محاولة فهم الآداب الحديثة تستلزم إلمامًا بتحوّلات المفهوم، ومغادرته دائرة الفهم القاموسيّ الضيّق إلى أفق النظريّة الأدبيّة(7)·
أدب المنفَى إذن ظاهرة ثقافيّة يتنامى حضورها في آداب الأمم التي خضعت للتجربة الاستعماريّة، وتشكّل الكتابة السرديّة لبّها الجوهريّ، وهي تطفح برغبات هوسيّة من الاشتياق والحنين والقلق، ومسكونة بفكرة إعادة كشف موقع الفرد في وطنه وفي منفاه على حدٍّ سواء· والحال هذه، يكرّس المنفَى عجزًا عن الانتماء إلى أيّ من العالميّن المذكورين، وتعذّرُ الانتماء يقود إلى نوع من الترفّع الفكريّ والرهبنة الروحيّة والعقليّة، وذلك قد يفضي إلى العدميّة أحيانًا، حيث تتلاشى أهميّة الأشياء، فتنهار صورة العالم في أعماق المنفيّ، ولكن قد يظهر العكس، فالمنفيّون الكبار عبر التاريخ، هم الذين أوقدوا شرارة الأمل في نفوس شعوبهم، وألهموها فكرة الحرّيّة، وقادوها إلى شواطئ الأمان، فالمنفيّ ما إن يتخطّى الذاتيّة المغلقة حتى يصبح كائنًا عالميّا يتطلّع إلى تغييرات شاملة··والمنفيّون ينظرون إلى غير المنفيّين نظرة استياء وسخط· فهم ينتمون إلى محيطهم، أمّا المنفيّ فغريب على الدوام· يقضي معظم حياته في التعويض عن خسارة مربكة بخلق عالم جديد يبسط سلطانه عليه(8)·

