أنت هنا

قراءة كتاب فاطمة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
فاطمة

فاطمة

كتاب " فاطمة " ، تأليف نور مؤيد الجندلي ، والذي صدر عن دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 2

-1-

أتى أيّار هذا العام مرتدياً ثيابَ آب، حاملاً وهج الشمس وشدّة الحر، موصلاً رسالة فصليّة مضمونها أن صيف العام سيكون الأشدّ والأعتى، وبأنّ الرّبيع بجوّه اللطيف ونسائمه العذبة قد غادر سريعاً دون استئذان، حاملاً حقائبه المملوءة بثمار الإكيدينيا وزهور شقائق النّعمان، تاركاً بقايا من بصماته على عربات الباعة في شوارِع مدينة حِمص، والتي تلوّنت بحمرة الفراولة، وخضرة العوجا، وقد بدت وكأنها تستقبل عشّاقها وتودّعهم في آنٍ معاً.

حركة كبيرة شهدتها الشّوارع والأسواق، فيما يشبه احتفالية خاصّة باستقبال الصيف، وبدأت سلع غذائيّة معيّنة تفرض نفسها، وتجد طلباً وإقبالاً كبيرين في السّوق، وكان أهم هذه السّلع هو اللبن الرائب (الزبادي) لما له من أهميّة خاصة وشعبية على طاولة الطعام الحمصيّة، فهو يرافقهم في الوجبات الثلاث، يتناولونه لبنة لذيذة عند الإفطار مع زيت الزيتون، ويخلطونه بالماء والنعناع ليصبح شراباً منعشاً يطفئ عطش الصّيف عند الغداء أو العشاء، وهو يتربع بفخر في الولائم على المائدة قرب أقراص الكبة المشوية، أو أطباق ورق العنب والمناسف، ليغدو حاجة ضرورية لا غنى عنها...

كان الطلب يكثر على اللبن في تلك الأوقات خاصّة، من قِبل المتاجر الكبيرة والصغيرة على السواء، حتى تلك المنزوية في حارة قديمة، أو البعيدة عند أطراف المدينة، الجميع يحتاجونه غذاءً متميزاً، ويطلبونه فيطعمون منه ويطعمون أطفالهم، ولا يفتأ كبار السّن يعددون فوائده للجسم والأعصاب وتحسين المزاج، ولذلك كانت المعامل تنتج منه كميات كبيرة، كما يقوم بصناعته بعض الأفراد بشكل مستقل، وبيعه وتوزيعه ليكسبوا قوتهم، فهم يعتبرونه تجارة رابحة، وعليه يقومون بتأسيس مشروعاتهم الصّغيرة التي كانت تؤمن لهم قوتهم، وتنمّي في تلك الآونة رؤوس أموالهم.

***

على رصيف إحدى الحارات القديمة، حيث تتوزّع الدكاكين في أرجاءٍ متفرّقة، وتضيقُ بزبائنها في ساعاتٍ محددة من النّهار، توقّفت سيارة بيضاء من نوع (بيك أب) مسقوفة من الخلف، ونزلت منها سيدة ثلاثينية ذات هندام مرتّب أنيق، تطفو على وجهها ابتسامة مشرقة توحي بالتفاؤل والفرح..

سارت باتجاه صندوق السيارة وفتحته، وأشارت لصبيّ كان يراقبها واقفاً أمام بقاليّة قديمة، لكي يأتي فيستلم دلاء اللبن الرّائب...

أتى ومعه فتى آخر في مثل عمره، وتناوبا على حمل الدّلاء ونقلها إلى داخل المتجر الكبير، وهي تراقبهما بانتباه، وتَعُدّ ما يخرج من السيارة، وتسجل ذلك كله على دفتر صغير ضمته حقيبتها السوداء الأنيقة.

ثم دخلت البقالية وألقت التّحية، وقبضت الثّمن وهي تستمع بطرب إلى عبارات الشّكر والثّناء من قبل المالك، وهو يتحدث عن مواعيدها الدقيقة، واللبن الذي تصنعه، بطعمه الطيب الشّهي الذي لا يستغنى عنه...

عادت إلى السّيّارة مجدداً حيث كان زوجها العبوس ينتظرها بصبر يكاد أن ينفد، وانتقلت معه إلى حارة أخرى، وقامت بالمهمة نفسها؛ من بيع ومتابعة وقبض للنقود، وابتسامتُها المشرقة هي ذاتها، لم تتعكر ولو درجة واحدة، وهي تقوم بعملها، وتحتمل اعتراضَ بعض الباعة أو تذمّرهم، فهي في كلّ مرة تقنعهم بوجهة نظرها عبر حوار قصير، تختمه بابتسامة نصر، فتشعّ قسماتها بالبِشر، وحين تنتهي تجري بخطواتٍ سريعة إلى السّيّارة البيضاء، تُناولُ زوجها المال وقد غزت ابتسامتها ملامح فرح طفولي، ولا تلبث تلملمها وهي تسمع اعتراضه الدّائم على طريقة مشيها السّريعة، ليذكّرها أنها ما عادت فاطمة الصّبيّة بنت العشرين، وما عادت تصرّفات الأطفالِ تليقُ بها.

الصفحات