أنت هنا

قراءة كتاب يسمعون حسيسها

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يسمعون حسيسها

يسمعون حسيسها

رواية "يسمعون حسيسها" للشاعر والروائي أيمن العتوم، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، تتناول قصّة طبيب أمضى سبعة عشر عاماً في سجن تدمر في سوريّة للفترة من 1980 حتى 1997.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 3
(2)
 
الزّنزانة رقم (11)
 
في الدّور الرّابع للمستشفى الّذي صرتُ أعمل فيه، كنتُ أفحص بين يديّ طفلاً انتفخَ بطنُه لطول ما أصابه من إمساك، اتّصل بي المدير، وسألني بصوتٍ مرتبك فيما إذا كان مُمكِنًا أن أوافيه إلى مكتبه للحديث في أمرٍ يخصّ العمل· عرفتُ حالاً ماذا ينتظرني، فكتبتُ الدّواء - على عجلٍ - لأمّ الطّفل، وسارعتُ بالوضوء، وصلّيتُ ركعتين لم أدرِ ماذا قرأتُ فيهما، ثمّ نزلتُ من الدّرج قاصِدًا المخرج الخلفيّ للمستشفى· لم تكنْ فرصة نجاحي في الهروب كبيرة، ولكنّني حاولتُ· حينَ لفحتْني نسمةٌ حارّةٌ من نسمات أوائل شهر تمّوز أدركتُ أنّ اللهيبَ قادمٌ، وأنّ لحظات الاستحمام تحت ماء الينبوع ولّتْ إلى غير رجعة·
 
من النّافذة بدا لي المشهد ساحة حربٍ حقيقيّة، حوالي عشرين آليّةً عسكريّة كانت تطوّق المستشفى من جميع جهاته، وأكثر من مئة عنصر أمنيّ مزوّدين بالرّشاشات والمسدّسات كانوا يتحلّقون على شكل دائرةٍ مُحكمة تحيط بالمكان· لا أدري كيف قرّرتُ بسرعةٍ أن أهرب··· أن أخترق النّقطة الأضعف تحصينًا في هذه الدّائرة، وأُطلق ساقيَّ للرّيح، لم أكنْ أملك غير بضع ثوانٍ لكي أنفّذ ما خطر ببالي لحظتها، كان مِمّا لا شكّ فيه أنّ اقتحام المستشفى وشيك، وأنّ القنابل ستغطّي فضاء الرّؤية في القريب العاجل··· أخذتُ نَفَسًا عميقًا، وهمهمتُ بآية الصّبر والرّضا، وحدّدتُ زاوية الهرب، أمّا السّرعة فكان الخوف والتّوق إلى النّجاة كفيلَين بأن يجعلاها أعلى ما يُمكن···
 
ركضتُ باتّجاه الحرّيّة··· باتّجاه النّجاة··· باتّجاه الفراغ مدفوعًا بالخوف من الآتي··· باتّجاه الحُلُم الّذي يوشِك أن يسودّ··· باتّجاه الجنّة الضّائعة توجّسًا من الجحيم المُرتَقب··· ثلاثون مترًا كانت كفيلة بأن تَلحَق بي ثلاثون رصاصةً خلالها··· وفي باطن فخذ الرِّجل اليُسرى استقرّت رفيقة الدّرب الّتي ستتعايش معي سبعة عشر عامًا··· سقطتُ··· سال الدّم سخينًا· كان صياحهم عالِيًا··· فجأةً صمتَ كلّ شيء· بما في ذلك قلبي!!
 
اختلط اللّيل بالنّهار، تداخَلا ربّما، سبق أحدهما الآخر··· ماذا يعني اللّيل والنّهار لسجينٍ صارت كلّ خليّة فيه مرتهنةً للدّولة، وهو لا يملك حتّى أن يسحب هواء الزّنزانة الخانق إلى صدره···؟! كان عليه أن يسترق ذلك، لأنّه إنْ ضُبِطَ بالجُرم المشهود فسيحرّمون عليه هذا النَّفَس من أنْ يدخل إلى جوارحه ولو بالإكراه فيما بعد!!!
 
لا أدري كم مضى من الأيّام وأنا غائبٌ عن الوعي، صحوتُ في غرفةٍ معتمةٍ إلاّ من لمبةٍ ترتفع بتكاسلٍ على مكتبِ المحقّق، كنتُ عاريًا إلاّ من (الشّيّال) و(الشّورت)· من خلفي عسكريّان، ومن خلف المحقّق مثلهما، حرّكتُ رجلي حركةً بسيطةً فندّتْ منّي آهةٌ عالية من الألم، سارع أحد الّذين خلفي إلى لطمي بقبضة يده على رأسي، وصاح:
 
- خْراسْ وْلا···!!!
 
تحسّستُ موضع الرّصاصة، كان يبدو أنّهم عالجوا أثرها على عَجَلٍ في هذا المكان الّذي لم أتبيّن ما هو إلى الآن، بعض الشّاش يلفّ قدمي، والألم ما زال ينخرها نخرًا، بدا ألم لطمة العسكريّ الّذي خلفي مسحًا على الرّأس قِياسًا إلى ألم رِجلي··· قال أحدهم:
 
- فاقْ سِيدي···!!
 
- طَمْشوه··· طَمْشوه··· وجيبوْه لَهُونْ···!!
 
وضع أحدهم الطّمّاشة على عينيّ، أحسستُ بخشونتها، شدّها من الخلف فضغطت على عينيّ بقوّة، كدتُ أتأوّه، فتذكّرتُ اللّطمة قبل قليل، بلعتُها··· قدّموني مترين من مكتب المحقّق، وبقيت جاثِيًا على الأرض، قال المحقّق:
 
- اسمك يا كلب···
 
(تباطأت قليلاً في الإجابة، منّيتُ نفسي بأنّ السّؤال لا يقصدني··· هوتْ لطمةٌ أقسى من سابقتها على رأسي من الخلف، صاح بي الّذي لطمني):
 
- اسمك يا شَر···
 
- إياد··· إياد··
 
- إياد أسعد··· يا حيوان؟!
 
- نعم··· نعم سيدي··· إياد أسعد
 
- وْلا··· شو علاقتك بالإخوان؟!
 
- ما لي علاقة يا سيدي···!!
 
- وبتكزِّب وْلا···
 
- والله ما إلي أيّ علاقة···!!

الصفحات