أنت هنا

قراءة كتاب يسمعون حسيسها

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يسمعون حسيسها

يسمعون حسيسها

رواية "يسمعون حسيسها" للشاعر والروائي أيمن العتوم، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، تتناول قصّة طبيب أمضى سبعة عشر عاماً في سجن تدمر في سوريّة للفترة من 1980 حتى 1997.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 10
(4)
 
لا يُمكن أنْ يسجنوا الشّمسَ
 
استيقظتُ فجرًا، بدت السّماء من شقّ الباب كأنّها تتخلّى عن سوادها لأزرقها الفاتح، كانت ليلة أمس قد قدّمتني إلى الموت الّذي رفضني؛ هل يكون الموت متواطِئًا مع الجلاّدين؟!!
 
مَنْ يُنقذني من الجحيم الّذي أعيشه!! لِمَ كلّ هذا الّذي يفعلونه، يقولون إنّ كتائب الطّليعة تُخطّط لاغتيال الرّئيس· ما شأني أنا والرّئيس؟!! تكفيني لقمةٌ هانئة في مساءات العمل، وزوجة أسكن إليها، وأولادٌ يقفزون من حولي··· لو كنتُ أدرك أنّ الدّروس الّتي تتلمذتُ فيها على يدي الشّيخ (منير) في المسجد ستفعل كلّ هذا بي لاخترتُ أهونَ الشّرَّين··· قنابل؟! وأسلحة ورشّاشات؟! وفي بيتي أنا؟! هل جُنّ الإخوان ليورّطوني في شيءٍ كهذا؟! أم جُنّ المُحقّق ليتّهمني بتهمةٍ كبيرةٍ وخطيرةٍ كهذه؟!! ثمّ ما هذا الرّتل من الأسماء الّتي يعرضها عليّ؟! صحيح أنّ بعضها أعرفه، ولكنّ أكثرها سمعتُ أنّها قُتِلت، أو اختفت عن الوجود· وحده محمود الفحّام كان طبيبًا مثلي في المستشفى الّذي عملنا فيه معًا لمدّة عام، وكنتُ أعرف أنّه من الإخوان المسلمين، وأنّ له أتباعًا ينشطون مثله، ولكنّه منذ عامين ترك المستشفى، ولم يعد له أثر، اختفى كما لو كان طيفًا في سماء، وذاب في الغياب كما لو كان ملحًا في ماء، كلّ الدّائرة المغلقة حوله لا تعرف أين هو؟! لا بدّ أنّهم اعتقلوه ويُحاولون ابتزازي لأعترف عليه!! إذا كان معتقلاً لديهم فليدلّهم هو على بقيّة أعضاء التّنظيم· أنا أريد أن أعود إلى أهلي وزوجتي، أريد أن أعيش مواطنًا عاديًّا أقتات من عملي في مهنةٍ شريفة، هذه المهنة الّتي بذل لها والدي الفقير كلّ ما يملك حتّى يُقال: إنّ ابنه صار (حكيمًا)!!
 
قمتُ إلى (كوز) الماء، توضّأت بنصفه، وأبقيت على نصفه الآخر لوقت الشّدّة، نحن الآن في الثلث الثّاني من تمّوز عام 1980، ولا بدّ أن أُبقي في هذه الحرارة المرتفعة، وهذه الزّنزانة القبر، الضّاغطة عليّ من كلّ جهة، لا بد أن أُبقي على ما يُبقي على الرّوح داخل أسوار الجسد· صلّيتُ الفجر، وقرأتُ بـ (يس) في الرّكعتين، وقرّرت أن تكون (يس) رفيقتي حتّى أخرج من هذه المحنة الصّعبة!! فقرأتها بعد الصّلاة ثلاث مرّات·
 
شقّ العسكريّ باب الزّنزانة، وصرّ قفلها من الخارج، تدفّق شلاّل الضّياء عبر الجزء المفتوح من الباب، مُعلنًا ولادة يومٍ جديد؛ كلّ موتٍ سابقٍ في ليلٍ دامس لا بُدّ له من حياةٍ آتية في صُبحٍ مُشرِق، بهذا خاطبتُ نفسي وأنا أنتشي للنّور القادم من السّماء، حمدتُ الله أنّ البشر لا يُمكن أن يسجنوا الشّمس؛ لو كانوا يستطيعون فكم من النّاس سيكون قدرهم أن يعيشوا في الظّلام والموت، الشّمس هبة الله ولا سلطان لأحدٍ عليها إلاّ هو· وضع العسكريّ - وهو يشتم ويلعن - صحنًا فيه ربع رغيف خبز يابس، وثلاث حبّات زيتون سوداء، قبّلتُ كِسرة الخبز شاكِرًا أنعُمَ الله، والتهمتُ ما وفد إليّ في أقلّ من دقيقة· نمتُ طويلاً ليلة أمس مِمّا مكّن جسمي أن يرتاح من العناء قليلاً·
 
أدرتُ بصري في الزّنزانة، لم يكن لها من نافذةٍ في الأعلى؛ كانت مُصمتة، وحدها شقوق الباب من كافّة جوانبه مكّنت أشعّة الشّمس من التّسلّل، بابها يُفتَح للدّاخل وليس للخارج، صُمِّمت كذلك حتّى يكون الضّيق على نزيلها أكثر، وإذا فتحه العسكريّ بقوّة كعادته، وكان السّجين نائمًا ولم ينتبه فإنّ حافّته ستُطبِق على بطن السّجين مُسبّبةً له ألمًا في المعدة قاسيًا، عدا أنّ العسكريّ يصحبه إذا فتح الباب أمران: سيلٌ من الشتائم المُخجلة، وعدد من الرّكلات والصّفعات الشّديدة!!
 
لم يكن من فارقٍ كبيرٍ بين أكلي، وبين فتح باب الزّنزانة من جديد، ليقتادني اثنان مُكلبشَ اليدين خلف الظّهر إلى غرفةٍ جديدة· لم يكن المحقّق القديم، كان آخر جديدًا، طُوالاً، ضخم الجثّة، قاسي النّظرات، رخيم الصّوت أجشّه، وكانت راحة كفّه تساوي ثلاثة أضعاف راحة كفّي، حجمًا وسماكةً· استقبلني بنظرةٍ فاحصة، وأشار بيده للعساكر فرموني في منتصف الغرفة، الغرفة أوسع من سابقتها، ولم أكن فيها وحدي، كان هناك رجل يرتمي في إحدى الزّوايا· انهال عليه خمسة عساكر يضربونه أمامي بأرجلهم وهِراواتهم وكيبلاتهم وبساطيرهم، وهو يتلوّى ويصرخ تحت التّعذيب، كان المحقّق يريد أن يُريني مشهد العذاب أمامي لعلّي أرتعب، وأعترف بكلّ شيء· توقّف الجلاّدون فجأة، وتوجّه المحقّق نحو الضّحيّة وشدّه من رأسه، وأمر زبانيته أنّ يُنهضوه، ويُلِجئوه إلى الجدار، أمسك المُحقّق بيده الغليظة رأس الضّحيّة من عند جبهته وراح بكلّ ما يملك من قوّة يخبط رأسه في الجدار، والضّحيّة تصيح، وتنهمر الدّماء لتغطّي الوجه، وتحتقن عند المحجرين، وفي لحظةٍ فارقة يبدو أنّ المُعذَّب قرّر فيها أن يُنهي حياته، رأيتُهُ يفتح فمه بأقصى ما يستطيع لنشاهد ما يفعل جميًعا، ثمّ يحرّك لسانه بطريقة خاصّة إلى طرف أسنانه حركتين اثنتين وفي الثّالثة سقطت السّنّ الجانبيّة في فمه، ابتلعها على الفور، وتأكّد أنّها صارت في معدته من خلال سحب ريقه إلى الدّاخل، وفي أقل من دقيقة كانت الضّحيّة تُزبِد، وتقع على الأرض، وفي لمح البصر كان قد فارق الحياة· هزّه المُحقّق فلم يحرّك ساكِنًا، صاح على أحد الزّبانية أن يُنادي طبيب المُعتقل، هُرع الطّبيب، جسّ عِرقه، ثمّ فتح فمه، وتناول جزءًا من لعابه، وهتف بالمحقّق:

الصفحات